نَفْى المنْفى تأكيد الهوية

 

وداعاً أيها الطفل/ جبار ياسين

 

" كل قراءة خيانة مبدعة "

 

مقدمة

لعل الكتابة عند جبار ياسين ، تعد مغامرة قد أحاسب عليها ممن ينفتحون علي عالمه الإبداعي أكثر مني أنا التى لم تقرأ له سوي         ( وداعاً أيها الطفل ) وعذري فى ذلك قلة عدد الأعمال المنشورة والمترجمة فى مصر لأدباء فرانكفونيين غير جبار ياسين مثل ( مالك حداد محد ديب رشيد بوجدره كاتب ياسين وغيرهم ) .

لذلك وبإحساس من يتعامل مع جبل من الجليد لا يري إلا قمته ، أعدت قراءة المجموعة ، وبعد القراءة الاستكشافية الأولي . بهدف البحث والتأمل ، للشكل الفني الذي يسيطر عليها . والمعتمد ، بشكل رئيسي علي طفل عراقي ، تشكل وعيه وتعرف علي ذاته ووطنه ، عبر التقاطه لكل ما يحيط به من معطيات اجتماعية تمثل تراث العراق ثقافته وذكراته الشعبية بحساسية فائقة . بدت لنا كأن فنانا محترفا قد رتبها ، كيلا يقتصر مداها علي الماضي فقط، ولكن علي الحاضر واحتمالات ضئيلة للمستقبل وأبرع ما في الأمر أن التقاط صور الماضي تم من الحاضر . مخترقا بذلك حاجز الزمن فأعطانا صوراً تحمل طزاجة اللحظة ، ودفء الحنين إلي الماضي الذي هو ( أرض العراق وسمائه الأهل والأصدقاء وربما أحلام الطفل التى لم يحدثنا عنها ) .

أما المكان فقد حدده جبار بموقعين تتراوح بينهما الذات الطفوليه والناضجة ، هما العراق عذابا وعذوبة ، وفرنسا حرية ومنفي .

لهذا أجدني ، مدفوعة إلي استقبال هذه المجموعة الرائعة بوصفها حلقة قصص قصيرة ، وليست قصصا قصيرة منفصلة العوالم والأحداث لعلني فى هذه المقاربة استطيع إبراز أهم ملامح هذا العمل كحلقة قصص ومكونات سردية جمالية فائقة الروعة .

 

1- ملامح حلقة القصص القصيرة :

 

الحلقة القصصية هي بنية سردية جديدة علي الأدب العربي الحديث، وتسعي الحلقة أن تسهم كل قصة من قصصها رغم استقلالها النبسي عن بقية القصص فى تعديل خبرة القارئ بها وتحرير استجابته لها ، وإعادة النظر فيما تلقاه منها ومن غيرها من القصص لتكوين الحلقة بمعني أنها تفيد من عملية التلقي ، التى تتسم عادة بقدر من الحركة داخل بنية العمل الأدبي ، وتدفع بحركتها إلي خارج البنية الداخلية لكل قصة (1)  .

وقد ميز فورست انجرام بين ثلاث نوعيات من حلقة هي " الحلقة المؤلفة من البداية علي أنها كُل متصل مثلما تؤلف الرواية فى الغالب. أي أن المؤلف حينما كتب القصة الأولي من المجموعة كان فى تصوره المخطط الشامل المتصل بشكل كٌلّى .

- الحلقة التى يبدأ المؤلف فى كتابة قصصها مستقلة عن بعضها البعض ولكنه يكتشف الخيط الرابط بينها فيكملها متعمداً متعمداً ، ويكمل الخيط إلي منتهاه .

- الحلقة التى يتم جمع قصصها ، وترتيبها وتنظيمها فى النهاية لتعطي نسقا ما (2) .

 

وهذا ما أنا بصدد تطبيقه الآن علي هذه المجموعة :

(1-1 ) تقع ( وداعاً أيها الطفل ) تحت ثلاثة عناوين رئيسية هي  ( وداعا أيها الطفل أيام الحمي وداع ) وهو الترتيب الذي اختاره المؤلف ليختم به عمله علي مستوي الكتابة . ليبدأ دور القارئ فى التأويل وترتيب عالم القصص ، ليتم ربط الأجزاء بشكل جامع ، يعيد إنتاج الحلقة أي أن القارئ يتابع القصص كما لو كانت أجزاء متحركة علي لوحة واحدة أو قل إنه يقرأها فى حركة ذهاب وإياب مستمرة بين القص حركة بندولية بين هذه الأجزاء . يقرأ المجموعة من أولها لآخرها ومن آخرها لأولها . والحلقة لا تتقدم علي شكل مستقيم دراميا وإنما تتطور الحركة فيها من خلال تكرار عناصر معينة ( صور - أحداث شخصيات أماكن ) (3) .. إلخ .

وكما نري فى المجموعة تتكرر الشخصيات والمكان ويتحدد الزمان والخلفية السياسية الدامية . من خلال رصد الشخصيات المحورية        ( الطفل ) بطل القصص صغيراً وناضجاً يسرد لنا مشاركا فى الحدث أو واصفاً له من الخارج بنوع من الحزن الشفيق الخاص وحالة حنين دائمة .

إن حالة الطفولة التى تتسم بها النصوص تشبه تلك التى وصف بها العقاد ابن الرومي طفولة لا تجف ولا تشيخ حتي فى النصوص التى تم سردها بعد نضج هذا الطفل . وهو ما أتي به إريك بيرن بعد العقاد بثلاثين عاماً ليتحدث عن " حالة الذات الطفولية " فى كلٍ منا . والتى تذوب فيما أسماه " الناضج المتكامل " (4) وعليه فسأتلقي النص وفق ترتيبي الخاص كالآتي :

( أيام الحمى وداع وداعاً أيها الطفل ) وهو الترتيب الذي أراه لإنتاج الحلقة . محتمية برأي " فولفجانج أيزر " أن المعني الذي ينتجه القارئ يختلف من شخص لآخر حسب نظرية التلقي التى تجعل " اثنين من الناس يحدقان إلي السماء ليلاً ، فيريان نفس المجموعة من النجوم لكن أحدهما ربما رأي صورة محراث . والآخر ربما استخرج صورة طائر " (5) .

(1-2) تبدأ الحلقة فى " أيام الحمي " وهي نصوص تعطي صورة بالغة الحساسية والدقة للعلاقات الاجتماعية السائدة فى الأسرة وعلاقتها مع الجيران . ( بنت المعيدي الخرزه ذكري سوداء الغريق عرس بن شمسه بيت ناصر هندسة الموت ترتيب الحكاية العرجون ) . كلها نصوص لا تعكس صورة المجتمع فحسب ، وإنما تبلور أفكاره وتعبر عنه حسب صياغة جولد مان لمفهوم الوعي الجماعي . وهذا ما يصلنا من خلال شخصية الأب والأم وزوج الخالة والجارات ( أم علي أم صلاح أم خزعل ) وتستكمل بعلاقات أوسع هى ما يجتمع عليه الناس أو تختلف مثل ذبح الأهل للبنات اللاتي يأتين الفاحشة مثل فضيلة فى قصة "بيت ناصر" والتى يذبحها أبوها اللص انتقاماً لشرفه . وتلعب المقابلة بين ( فضيلة والرذيلة التى ارتكبتها ) و ( اللص الذي ينتقم للشرف ) دوراً فى إعلاء قيمة اجتماعية عن قيمة أخري بشكل ساخر . واستكمالاً للمقابلة أيضا تذبح فتاة هربت من بيتها لتتزوج بفتي في مدينة أخري علي يد أخيها فى قصة (هندسة الموت) فيقتل هذا الأخ علي يد أخيه أيضا وكأنه انتقام قدري أمام الجميع . وتتكرر هذه التيمة فى ( عرس ابن شمسه ) حين يموت عباس بالخمر الذي أحضرها بيده فى عرس أخيه . فيما يشبه حتمية العقاب فى الأساطير الإغريقية  بقي فكرة حمل الملائكة للغرقي من قاع البحر إلي الجنة فى ( الغريق ) والطناطل أو المسوخ ( باللهجة العراقية) فى قصة ( ذكري سوداء ) كمثال للمخيلة الشعبية التى لا يخلو منها مجتمع وإن اختلفت الأسماء وقد رصدها الطفل من الخارج  دون أن يشترك فيها . وتركنا فى مواجهة شخوصها ، بتلقائيتهم وحواراتهم الحية.

أما النصوص التى يشارك فيها كذات فاعله فهي ( حمام التميمي ليلة عاشوراء حمي قتل الغزالة عودة الخرنوب ضجيج المطحنة العسل الأخ مشهد المعجزة ظهيرة صيف زيارة مقبرة دار السلام الخوف الأول ) وهذه النصوص يطغي فيها جانب الطفولة العابثة بل والمشاكسة ، التى تتحرك فى كل مكان        ( الحقول الحصباء البرية ) وتُظهر الحيوانات مثل ( القطط الكلاب الحمار ) وحتى صيد الحشرات " غزالة الرمل "  (6) والأغنية الجميلة التى يغنيها لها كي تخرج من جُحرها ليصطادها ، ويصطاد زوجها .

( غزالة غزولوكي بالميّه دعبلوكي أجاها نومي قال لها قومي)  وعصابات الأطفال بحيويتها وصخبها ومكرها فى قصة          ( مقهي زهيان ) وقصة ( الخرنوب ) .

أما بدايات تكون وعي الطفل فى التجارب الأولي له فى عالم الكبار فيلتقطها جبار بحواس الطفل كما فى ( حمام التميمي ) ( جالساً علي حضن امرأة تعط برائحة الحليب )(7) فى قصة ( البيت الأول ) خروجه من مطار بغداد مروره بشوارعها ميادينها سؤاله عن تمثال الميدان. كأنه يمسح علي وجه المدينة بكفه وحواسه شوقا ثم وصوله إلي البيت ، بحثه عن عائلته فى الغرف ورغبته فى مفاجأتهم بعودته ومفاجأتنا بعد هذه الرحلة التى تتبعناها أنه فى بيته الثاني وما زال واقعا فى شراك البيت الأول .

أما فى حالة الحنين إلي الأهل والرغبة فى زيارتهم من جديد فتصورها قصة ( العودة إلي مدينة الآجر الذهبي ) وهي رحلة يقظة حلمية تعتمد بالدرجة الأولي علي فك الشفرات والرموز وترابط الرمز المكاني بالرمز الإنساني المتجاور معه . كالبيت القديم الجدار الذي احترق آجره وسائد البيت المتعفنة وجه الفتاه التى اتضح فى النهاية أنها أخته ووجه علي جارهم الشهيد ووجه الرجل المنكب علي كتابه      ( فى التكية ) وهي ( محل اعتكاف الدراويش وصلواتهم ) وتجمع شباب الشيعة خلف هذا الرجل مرتدين الأكفان ..

الفتاة تحذره من عودته :

ينبغي أن تعود .. سيرونك فيأخذونك .

وهو يصر أن يري الساحة إلي أن نصل إلي نهاية الحلم بنهاية القصة ( لم يعد هناك بيت .ثم أنفجر فى بكاء ، وأشعر أن أحشائي تحترق بنار يتصاعد لهيبها فى الليل الذي بدأ يهبط الآن .. ) (8)

إن هذا العذاب الذي ينهي هذا الجزء من الحلقة يفتح الطريق إلي آخر جزء فيها ، والذي يحمل الإضاءة الكاشفة لأسباب الهجرة أو النفي التى سببت كل هذا الحنين والصراع النفسي بين العودة واللاعودة .

وكما قدمنا . الحلقة لا تتقدم علي نحو خطي مستقيم لذلك سنقرأ هذا الجزء بترتيب خاص ، يجعلنا نغلق الحلقة .

سنبدأ من ( الليل الذي بدأ يهبط الآن ) ص 141 ونستكمل فى  ص 17 ( أنام فى الغرفة التى كان الطحان ينام فيها حولي الخضرة التى لا تنتهي ، والصمت الذي يشبه صمت يقظة بدرية وفي الليل أسمع . ذكرياتي هذه أم ذكريات الطحان )(9) ثم ( من النافذة التى كان الطحان فى سنين أصبحت بعيدة الآن يرقب نواعير مطحنته تدور . ارقب مسلسل الحكايات . حكايات أمي وجدتي وحكاياتي . صار الماضي حكايتي ) (10) ثم بدء حكاية بدرية التى كانت فى الأصل أول جزء فى المجموعة ) ص 9 (غالباً ما سمعت أمي تتحسر علي صديقتها بدرية .. إلخ )  . حتى تنتهي فى ص 17 بـ ( فى هذه المطحنة التى صارت بيتي ) وتنزل إلي آخر الصفحة ( الطحان غادر المكان منذ سنوات بعيدة أجهلها .. إلخ ) . ثم تستقيم القراءة والكتابة معاً من حيث اتفاق القارئ والكاتب علي ترتيب دراما الأحداث لتُغلق الحلقة بنهاية القصة وهي القصيدة العامية العراقية .

ونستطيع من خلال تسلسل الحكايات رصد بداية عذاب هذا الرجل منذ أن كان طفلاً . عبر الخلفية السياسية الدامية التى شكلت وعي هذا الطفل وزادت وطأتها حتما بعدما كبر وصار قادراً علي فهم الأمور وربطها بعدما كان يرصدها فقط طفلا وهي الفترة الثورية فى العراق ( 1958 1959 ) . ( ثورة العراق في يوليو تموز 1958 ) والإلتباس الذي صبغها نتيجة التنافس بين عبد الكريم قاسم وعبد السلام عارف ومحاكمته فى شتاء 1959 م . لتبقي السلطة فى يد الزعيم الأوحد " قاسم " وعبد السلام عارف والخلاف بين الضباط الأحرار . الذي انتهي باعتقال عارف ومحاكمته فى شتاء 1959 م . لتبقي السلطة فى يد الزعيم الأوحد " قاسم " ويبقي الصراع بين القوميين والشيوعيين وينظم الضباط الشيوعيون مسيرة حاشدة فى بغداد فى الأول من آيار 1959 م يشارك فيها أكثر من 300 ألف شخص وفى مقولة أخري مليون شخص وهكذا يستمر الصراع بين الشيوعيين والقوميين حتي انقلاب 8 شباط 1963 وإعدام قاسم ) (11) ليصبغ وجه العراق بالدماء والحشود التى تقتل بعضها . وتصبغ ذاكرة طفل الحكاية بالرعب         ( سيري الدم قانيا كما رآه لأول مره . ستظل ذكرياته ، ومعها التظاهرة الدامية ، والحشود التى تقتل بعضها .. كان يوم السبت الأول من آيار عام 1959 ) .

ثم فى جزء آخر يأتي ذكر القوميين الذين اقتادوا أخاه وكانوا مسلحين وكان خائفا أن يقتادوه مع أخيه .

المفردات المرعبة ( ساحة 14 تموز الجثث المكدسة المدرعة- ساحة النور اللواء العشرين لعبد السلام عارف " لواء الحرس الجمهوري " ) هذا إلي جانب صورة الزعيم التى تتكرر فى الـ T.V  ( سيري القتلي المعدومين علي الشاشة . سيكره العسكري الذي يبصق علي وجه الجثة المرمية علي كرسي ) (12) .

ثم مشهد الإعدام فى أم الطبول ( الشاحنات العسكرية التى ينزل منها رجال حليقي الرؤوس . مقيدي الأيدي بحبال غليظة .. وبسرعة سينطلق الرصاص مرة أخري وتنحني الرقاب علي الصدور ) .

 إن جبار ياسين يتركنا هنا تاريخيا ليترك لنا فرصة استكمال فراغات النص عبر مخيلة القارئ الذي سيتوالي فى ذهنه انقلاب 1963 فبراير وإعدام قاسم وتركز السلطة كلها فى يد حزب البعث . ثم حملة الاعتقالات الواسعة للشيوعيين فى السبعينات ونفيهم وأمام كل هذه الأحداث لا يجد بطلنا فى منفاه سوي تأمل الماضي والخوف وحلم العودة ليتجلي أخيراً عجز الذات ، وعذابها باستسلامها لهذا الواقع فيجلس وحيداً . يدفع رأسه للوراء ويستعيد كلمات القصيدة طفل الماضي ورجل اليوم يتحول إلي قارئ علي المنبر وسط حشد من القراء . يخاطب القدر أو سهامه فيما يشبه الندب أو العديد فى الفلكلور المصري ( فى المصائب الكبيرة أو الجنائز ) .

قول لي شو عندك وياي / سهمك قطع حشاي .

ولا أدري فى معظم المقاطع التى تتحدث عن شهور الحمل وآلام الطلق والولادة والعذاب . أشعر أن حنيناً كبيراً وشعوراً بما يشبه الذنب لأنه سبب آلاماً لأمه التى يتوحد معها ولا يستطيع أن يجنبها آلام فراقه فيردد معها نفس القصيدة التى رددتها هي فى غياب أخيه فى الماضي بعد اقتياد القوميين له بشهور .

وليدي وسلوتي ومني أخدته / شهور من الحمل تسعة نقلته / صدقني الأهل بطلوقه شفته / وبضلوع القلب ياما نقلته / وأنا بكيته أحسب وتاني / صار وحققت كل الأماني / كانت رادتي هاي / قول لي شو عندك وياي / سهمك قطع حشاي .

 

2- مستويات التعبير :

 

سبق أن أوضحنا أن الحلقة تتمحور حول الطفل بطل المجموعة خلال رحلته إلي الماضي عبر استحضار المشاعر والذكريات ما سمعته الأذن أو رأته العين ، لذلك نجد ثلاثة مستويات من التعبير .

1- لغة السرد العام : الرابطة بين أجزاء الحلقة ، وهي متصلة ، بعيدة عن الترميز والمعاني الإضافية . يقوم بها السارد الذي يصف من الخارج ، وهو محايد ، لا يتدخل فى الحداث ويتجلي بوضوح فى قصص ( العسل الأح ترتيب الحكاية الخرزه إلخ ) . ويظهر أيضا السارد المشارك فى الأحداث المتواجد فى كل القصص ويظهر أيضا السارد المشارك فى الأحداث المتواجد فى كل القصص التى تصور مرحلة الطفولة ( ليلة عاشوراء حمام التميمي الخرنوب غزالة الرمل الأخ .. إلخ ) .

 

2- لغة الأشخاص : خاصة الأم والأب والجدة ، فيما يختص بذاكرتهم الحكائية . الضاربة فى عمق التاريخ الإنساني للعراق . فتظهر مثلاً لقطات للعراق القديمة الشيوخ شيوخ القبائل ، والسراكيل       ( وهم الشيوخ الصغار أو زعماء الفروع القبلية ) بعبيدهم ووصيفاتهم . وأشكال الحياة الزراعية فى القري وراعة الأرز وتربية الجواميس والتجارة أيضا بالمحاصيل الزراعية . أما المشاهد الحوارية بين باقي الشخصيات فتظهر أنواع القلاقات الدافئة ، أو الغاصبه أو الحزينه . وجلسات السمر بين الجيران كما فى قصص ( العرجون ذكري سوداء بنت المعيدي ) . وهي تترك للمتلقي أثراً أكبر من الأثر الحكائي للسارد الأوحد العليم بكل شئ مما يثري النص بفضاء كل شخصية وأفقها وروحها الخاصة .

 

3- لغة الشخصية المحورية لطفلنا ( الناضج الآن ) بعد تجربته فى الحياة وخلفيتها التى تعرفنا عليها عبر النصوص ، فنجده فى حاضره . يفتت ذاكرته الطفولية . ليتأمل ما حدث بعد كل ذلك الوقت . ربما كان حنينا لجذوره ربما كان تأملاً للأسباب التى تمنعه من التواصل مع هذا الماضي لكنه علي أية حال ميكانيزم دفاع لنفي المنفي وهو يعتمد فى ذلك علي الاستبطان ، واللغة الجارحة لتأطير الأحداث الدامية لمسيرة بغداد آيار 1959 . مركزا علي بؤرة الجرح والفزع الطفولي من خلال استقراء وجه أمه ، الذي تحول إلي مرآة تنعكس عليها أسباب فزع مزدوج . فزع إنساني فى مواجهة مظاهرة ومدرعات وفزع أمومي من أجل أطفالها الثلاثة وإمكانية قتلهم . وإطار آخر وضع فيه مشهد الإعدام فى ميدان الرمي بأم الطبول . وصوره بما يشبه جماليات القبح التى جعلت المتلقي ينفعل ليرفض ما يراه . دون أن يفرض عليه وجهة نظره كسارد . أما تكنيك الكتابة فقد اعتمد علي المفارقة التى تصيبنا بالأسي حينا ( قصة العسل ، بيت ناصر ) وبالدعابة غير المقحمة علي الحدث كما فى ( سبب وقوع الطفل فى حمام التميمي ) .

والتكثيف والحذف واللغة الإيحائية التى جعلت النصوص ديناميكية حية ، سريعة الإيقاع وبعيدة عن الملل .

 

3- ملامح جوهرية متميزة :

ثمة ملامح مميزة تفرض وجودها علي هذا العمل منها التصوير السينمائي ، المعتمد علي المشاهد المحددة ، والحوارات المكثفة بالاضافة إلي ما بعد التصوير كالمونتاج ، والمزج بين شخصيتين بشكل إيحائي هو ، الطحان ولا يكتفي بذلك فقط بل ظهرت لوحات تشكيلية ، استخدام فيها الطبيعة بألوانها وأضفي عليها من روحه ما يتكامل مع الجزئية الإبداعية التى يتعامل معها . الصوت أيضا ثم توظيفه بشكل مثير للدهشة . فله وجوده الدرامي المشارك فى المشهد بحيث يستكمله كالموسيقي التى تنهي حواراً أو وداعاً فى المشاهد السينمائية .

إن هذا التجاور لعدد من الفنون فى نص مكتوب لا يجعلنا ننسي التناص الذي أحدثته الروايات الشعبية فى أكثر من مكان بالعمل مما يدفعنا إلي تأمل كل ذلك بالتفصيل .

3-1 من حيث الكنيك السينمائي :

يستخدم جبار تقنيات السينما باقتدار ويضفرها بتكنيك الكتابة ، خاصة وأن هذه النصوص تعتمد علي التصوير والمستوي البصري مما يكسب النص ديناميكية محببة . ولعل أبرز ما يجعل هذه النصوص مميزة هو براعة المؤلف فى اختيار اللقطة وملاءمة الآلية السينمائية للحالة النفسية للشخصية وجو العمل بشكل عام .

يظهر السيناريو فى قصة ( العودة إلي مدينة الآجر الذهبي ) منذ بدايتها ( واقف علي بعد مرمي حجر من النهر الوقت أصيل والشمس تهبط خلف بساتين لا أري غير تيجان أشجارها ) .

ثم يبدأ فى وصف الحركة ( أمضي نحو السدة الترابية ، التى أراها الآن ، موازية للنهر .. أتسلقها بتعب ومشقة .. أطأ أعلاها الصلد ) .

 وفى نفس القصة يتحدد " البلاتوه " وهو مكان التصوير ، وهو يعتمد فى هذه القصة بالذات علي ثراء الديكور الرائع للمكانين ( القديم محترق الآجر وباقي معطياته الرمزية ) والجديد ( الآجر الذي يلمع فى ضوء الشمس وشيخ التكية الذي يقرأ فى كتابه ) وذلك لتجسيد الفنتازيا المعتمدة علي قراءة الرموز والإيماءات بين الأشخاص .. وربط الماضي بالحاضر والغد المأمول . الذي لم يأت بعد . كل ذلك من خلال الصورة وانتقال الرصد بين هذه الأماكن بسرعة شديدة غير منظمه تتواءم مع طبيعة الأحلام .

أما القناع ( Mask ) (13) وهي  اللقطة التى تصور من ثقب باب أو نظارة ميدان " فاستخدمها جبار فى الرصد من عين طفل علي وشك النوم فى قصتين هما ( مقبرة دار السلام ) و ( ليلة عاشوراء ) مما يسهل الانتقال بعدها بتلقائية إلي عوالم حلمية مرتبطة بالواقع الفعلي قبل السقوط فى النوم أو الوسن .

اللقطات البعيدة Distance shot (14) : يقصد بها إظهار مكان فسيح أو خلفية شاسعة وهذا ما حدث فى تصوير المظاهرة فى أحداث أيار 1959 في ساحة تموز . وإعدام الجنود فى أم الطبول ميدان الرمي وتصوير المساحات الخضراء الشاسعة حول مطحنة الوقت في فرنسا.

أما اللقطات التسجيلية Dicumentary (15) فكانت لحدث واقعي تاريخي هو المسيرة أو المظاهرة بصوت جماهيرها الهادر ( عاش الزعيم عبد الكريم الحزب الشيوعي فى الحكم مطلب عظيم ) ثم قمع الجيش لها وضحاياها وما تبعها من محاكمات عاجلة واعدامات بالجملة بعدها ..

وعلي المستوي النفسي للشخصيات . يلجأ جبار إلي               الـ Close up(16) وهي اللقطات التى لا تظهر أكثر من الرأس والكتفين وتكون مكبرة مما يعطي فرصة لمتابعة رد الفعل للموقف علي الوجه خاصة كما حدث بالنسبة للأم فى المظاهرة . ( شاهد وجهها الشاب أحمراً كشمس المساء من جبينها أبصر قطرات عرق مسرعة تسير علي طرف أنفها ) .

واستخدم نفس التقنية فى ( قصة عوده ) عندما كان يتأمل وجه أخيه العائد بعد مدة طويلة . من اقتياد القوميين له من منزلهم كما عرفنا من قصة أخري .

آلية التثبيت Fixing فى ( مشهد المعجزة )

( عيني تعلقتا بالأيدي التى تحمل التابوت لتمنع قريتنا من رؤية المعجزة ) وأخيراً وبكثرة تظهر آلية الاسترجاع Flash Back (17) وهو مشهد يقاطع القصة ليعرض فعلاً حدث فى الماضي ) كما فى "