قضية المرأة
والأنتلجنسيا العربية
(رجل لرواية واحدة ) فوزية شلابي
( أريد لحظة تكون لي ..
أريد رجلاً يكون هو .
أريد امرأة تكون أنا .. )
الرواية ص 3
ليس غريباً أن تنطلق من حين لآخر رواية لأدبية عربية تشير بأصبع الاتهام للرجل الذي يقهر ويستبد ، أو علي الأقل يقلص أدوار المرأة فى الحياة إلي الدور البيولوجي فقط . وذلك وفق المنظومة الاجتماعية الأبوية التى ثارت عليها أديبات الغرب بدءاً من فرجينيا وولف التى دعت إلي " قتل ملاك البيت الطيب " ( وهو الدور الذي كان يفرض علي النساء أن يكن متعاطفات غير أنانيات ونقيات ، وكان علي المرأة أن تستخدم المداهنة والحيل النسائية لخلق زمان الكتابة ومكانها ، وكان يحرم أيضا التعبيرعن الجوانب العاطفية الأنثوية الأمر الذي منعها من قص حقيقة تجاربها الخاصة من حيث هي جسد ) (1) . ثم جاءت بعد ذلك كاتبات كن أكثر جرأة وثورة علي الثالوث المحرم مثل : بنيلوب مارتايمر ، ميريل سبارك آن سكستون حصلن علي أعلي درجات الحرية فى الكتابة ولم تعد هناك أية ضغوط أو تفرقة تمنعهن من الإبداع الحر فى ظل المجتمع المفتوح . ولكننا هنا فى مجتمعاتنا العربية بتقاليدها وقيمها ما زلنا نضغط علي النساء بقوة ونكرس لوضعهن فى أماكن محددة لا يتخطينها أو يقربنها فى الحياة العامة وفى الكتابة وهو ما يحرمهن من التعبير عن تجاربهن الخاصة فى ظل إبداع محاصر بضوابط العائلة والتابو والقارئ الذي يصر دائما أن تكون المؤلفة هي البطلة وليس أي شخص آخر ومن هنا يصبح أي اجتراء علي هذه المنظومة الاجتماعية فيه تضحية بجزء من احترام المجتمع لها . ويجب أن نعترف جميعاً أننا شعوب تؤثر الستر تشجع الاعتراف وتحاكم الأديب ولا تسامحه ، ويجب أن نعترف أيضا بريادة لطيفة الزيات ونوال السعداوي وشجاعة أحلام مستغانمي وسحر خليفة وحنان الشيخ وليانه بدر وفوزية شلابي التى نحن بصدد روايتها الآن ..
أولاً موضوع الرواية :
قد يتطرق إلي ذهن القارئ أن الكتابة ضد الرجل لردء انتهاكاته لحرية المرأة ، ليست جديدة ، أو مستهلكة ، ولكن كيفية الطرح وآليات الكتابة بل والأشخاص الذين يغزلون النسيج الدرامي فى هذه الرواية تحمل من الجدة ما ينعتها بالتميز، لأن ذكاء الكاتبة وخبرتها الكبيرة جعلاها ترصد قضية المرأة من مرصد الأنتلجنسيا العربية . فقد انتقت الأديبة بطلتها وباقي الشخصيات الرجالية التى تتعامل معها من المثقفين المسئولين عن بناء الوعي أو تغييره علي الأقل باعتبارهم أصحاب أقلام، فهم صحفيون ونقاد ومبدعون لتثبت لناأنهم برغم انتمائهم للأنتلجنسيا وهم من " يمتهنون العمل الذهني المعقد علي الأغلب (2) " يتساوون مع الرجال العاديين بل ويماثلونهم فى التعامل مع المرأة ومفهوم حريتها وانسانيتها بل وحاجاتها الجسدية أيضا . فنصل بذلك إلي قمة الهرم الثقافي وقمة المهزلة . وهنا يجيئ الاختيار الجيد لإسم الرواية ( رجل لرواية واحدة ) لأن الرجل هنا هو نفس الرجل وان اختلفت ملامحه وثقافته ، والتجربة وإن اختلفت ظروفها فإن نتيجتها واحده وهكذا يصبح كل الرجال رجل وكل الروايات رواية واحدة .
ثانيا – الأحداث :
تعتبر قصة حب صالحة لمحمود هي الحدث المحوري فى الرواية وقد استمرت سبع سنوات رصدت فيها صالحة كل خلجاتها النفسية وسجلتها بوعي الباحثة وشجاعة الصحفية ورقة ورهافة المرأة العاشقة . والتى انتهت بقرار فردي من قبلها وحدها حيث لم نلمح ( لمحمود المسئول السياسي ) منذ أن كان ملازماً أي تداخلات نفسية فى مواقف بعينها ترصدها الكاتبة ، ولكنها اكتفت فقط برسم ملامحه الظاهرية كالعجرفة والتهذيب الشديد والثقة بالنفس الزائدة وطابور المعجبات خلفه. إن صالحة اتخذت قرارها الذي تأجل طويلاً بالتوقف عن هذه العلاقة لعدم اقتناعها وشكها فيما سيقدمه لها من أمان فى الغد ومدي ما يمنحه لها من حرية إذ ( لا وقت لدي محمود للعلاقات الحقيقية الجادة والصعبة ) (3) وهي كما عرفنا أم لطفل ، طلقت من عبد الرحيم زوجها الثالث وعمرها تسعة وعشرون عاماً إذن هي مرت بثلاث زيجات فاشلة . فمن الطبيعي بعد ذلك أن ترفض محمود كرجل رابع وهى شخصية تملك من خبرات الألم من نفس الجرح ما يجعلها كل ليلة – وقت زواجها تعيد تسمية حواسها علي الرغم من أنها كانت تتمنى أن ( يمحو من يومه جميع نسائه الأخريات ويدعوني إليه ) (4) .
هكذا تفضل صالحه الابتعاد . تفضل حرية عقلها واحترام جسدها وإنسانيتها . وهكذا وباقتدار تجرنا فوزية شلابي بخيط من الحرير إلي بقية الأحداث أو المشاهد – كما أحب أن أسميها – التى تكشف لنا من خلالها ازدواجية الرجل فى تعامله مع المرأة داخل بيته وخارجه .أننا لا نلمح أي زوجة لأي رجل من الشخصيات المتداخلة معنا فى الأحداث لأن مكانهن الطبيعي هو البيت ووظيفتهن الرئيسية هي انتظار الزوج بعد أن تكون قد فعل كل ما يريده خارج البيت .. ويجب ألا نغفل أن هذه الشخصيات جميعا من الأنتلجنسيا . ولا نغفل أيضا أن يصنعون علاقات خارج البيت مع احتفاظهم بزوجاتهم وعلي سبيل المثال صراع ضو وعبد الله حول صالحه . حيث يرشح كل منهما نفسه حبيباً قادماً لها . يختار بدلاً منها ويفكر لها ايضا .
تلتفت أيضا أحداث الرواية إلي سيكولوجية المبدع المتمردة علي الرتابة والنمطية مما كان يجعل الجميع يعتقدون أنها ( طَهَّاقة ) لأنهم لا يعون خصائص المبدع وديناميكيته الفنية وفى رأيها ( أن الحلم التجريدي لا يكفي لإبداع عمل فني ينبض بالحيوية والصدق ، والتجربة ذات البعد النفسي والاجتماعي الواحد ليست مؤهلة لإفراز أكثر من أصل واحد وصور منسوخة عديدة لا تضيف جديدا ً) (5) .
الشخصيات :
ثلاثة عشر رجلاً . يشتركون فى أحداث الرواية في مقابل البطلة و اثنتين من النساء هما ( والدة صالحه التى تظهر بشكل عابر وغير مؤثر فى الأحداث ) وستيفانيا ( التى تظهر فى مشهدين فقط ) وبالرغم من إن وجود هذا العدد من الرجال فى رواية ، تناقش فيها المؤلفة قضية المرأة قد يغري بجلدهم فى ظل الخلفية النفسية لصالحه إلا أننا نلاحظ الموضوعية الشديدة فى الطرح فهي لا تكرههم بل تقيم معهم علاقات ود وصداقة ، برغم كل ما مرت به من آلام علي يد الرجل فى زيجاتها الثلاث . فهناك مثلا شخصية ( سالم ) وتعاملها معه بندية فى حوارتهما ونقاشهما حول مصطلح العصابية، ومحاولة التنبؤ بسلوك مواطن العالم الثالث ذو النفسية غير السوية . وهناك أيضا ( مصطفي ) وصداقته العميقة لصالحه التى تصفها بأنها نوع من الصداقة ( الخاصة التى ارتضيناها ، صيغة لعلاقة من نوع فريد بين رجل وامرأة ) (6) .
وتذكر أيضا صالحه نموذجا آخر من الرجال تتضح فيهما سمات الازدواج فى نظرتهما للمرأة هما ( ضو وعبد الله ) اللذان يتنافسان للفوز بحبها ( ضو ) بمكره ودهائه وكيف كان يحدثها أنه اكتشف فيها المرأة النموج والمرأة الحلم ثم يذهب فى منتصف الليل لزوجته وكأنه لم يفعل شيئا . ثم بعد الله الذي يرغب فى إقامة علاقة عاطفية معها مع احتفاظه بزوجته ليحافظ علي الموروث الاجتماعي الذي يعلن رفضه المطلق له ، أما صبحي ورمضان وأحمد ورضوان وحسين وحتي عبد الرحيم فجاءت حواراتهم مكثفة مختصرة تساهم بشكل كبير فى تحديد ملامح وأبعاد شخصية صالحة وأيضا فى تهيئة مناخ الآراء التى تريد الكاتبة كشفها ومناقشتها من خلال الفعل ورد الفعل حتي تخرج من حيز السرد الرتيب الذي لا يتفق مع تدفق وحيوية القص فى الرواية . أما آخر الشخصيات التى نحن بصددها ، فهي ( ستيفانيا ) الإيطالية التى تعيش فى ليبيا وتعمل بها وهي النموذج النسائي الوحيد الذي اجتذب صالحه لشعورها بمدي اغترابها عن وطنها الأصلي إيطاليا وعن ليبيا باعتبارها إيطالية الأصل .
إن التوازن فى الغربة بين ستيفانيا وصالحه هو الذي شدها إلي التفكير فيها فى فراغها العاطفي ووحدتها فهي تعتبر حالة خاصة مثل صالحة تماما التى تعاني هي أيضا غربتين غربة الأنثي فى مجتمع الرجال وغربة المبدع ( الأديب ) فى مجتمع العاديين . إذن المعاناة النفسية والاغتراب يمكن أن يكون فى وطننا وبين أهلنا وأصدقائنا وقد نشعر بدرجة أكبر من المغترب الحقيقي بدليل أنها ( أدركت أن لستيفانيا رأيا آخر فيما أفكر فيه وأنها لا تقيم لوصفها الخاص حجما يوازي حجم المأساة التى أتصورها ) (7) .
مظاهـــر القهـــر :
أ- قهر الجسد :
لقد كان علي النساء الكاتبات والقارئات أن يسبحن دائما ضد التيار فقد أكد أرسطو أن : ( الأنثي أنثى بفضل ما تفتقر إليه من خصائص)(8) وذهب القديس توما الإكويني ( إلي أن المرأة رجل ناقص ) (9) وذهبت سيمون دي بوفار فى كتابها " الجنس الثاني " 1949 ( أن هناك قساوسة وفلاسفة ومشرعون وكتاب وعلماء وكدوا ليظهروا أن وضع الخضوع من المرأة مرغوب فى السماء ومفيد فى الأرض ) (10) . ومن هنا لم يكن من الغريب أن يتم قهر المرأة جسديا وتقليصها فى حيز إمتاع الرجل وراحته المنزلية . وفوزية شلابي تقدم لنا آراء صريحة فى العلاقة الجسدية بين الرجل والمرأة تظهر فى شكل مفردات حادة ضدية أشبه ما يكون بالكلاشيهات عالية النبرة علي لسان صالحه مثل (عبدةً ) ، ( تقديم فروض الامتنان ليلة الخميس ) .
أما عقد الزواج عندها فهو عقد بيع وشراء فهي تصرح علي لسان صالحه ( نبدأ من الحب وتنتهي كل المعاني والصور الجميلة منذ أن يبدأ الامتلاك والتوقيع علي العقد ) (11) والرجال في نظرها هم العبيد المتسلطون الجبناء .
أما العلاقة الجسدية واختلاف رد فعل الرجل والأنثي تجاهها فتظهر مدي القهر الذي تعانيه المرأة ( تمل المرأة ، تضجر وقد تكره ، ولكنها لا تملك أن تقول لا . لأن العبد لا يعترض علي إرادة السيد ! ) (12) .
ب- كبت الحريات :
استكمالاً لمفردة القهر يخبرنا لسان حال صالحه أن تضخم دور الآخرين فى حياتنا ليس له سوي معني واحد هو تحجيم قدر الحرية الشخصية فى التصرفات والتعامل اليومي بل والتدخل فى أدق مفردات حياتنا باعتبارنا نعيش وسط هؤلاء الآخرين ، ويأتي فى صورة تيار الوعي ( إني أمقت هذا الحق الذي تمنحه دون وجه حق للآخرين يصيغون حياتنا وفق أهوائهم – يفسرونها يزوقونها – يعرونها – يفصلون لها أحجاما وأرقاما ويلبسوننا إيها ) (13) .
( يسقط الناس . يسقط الآخرون . يعيش عقلي – يعيش قلبي – المجد للحرية ) (14) ولا تقف فوزية شلابي عند الحرية بل تتطرق إلي حرية جنوب لبنان – الذي تحرر الآن فعلاً حتي بوابة فاطمة الآن ( فقد كتبت الرواية فى الثمانينات ) أيضا يشغلها هم بيروت وغرناطة القديمة وما حدث فيها . إذن الهم القومي لا يغيب عن خاطرها . كما لا يغيب عن ذكائها إظهار الرقابة علي الصحف . والسماح بتداول صحيفة معينة أو مصادرتها . ( إن المطلوب هو الرأي حول السماح بتداول الصحيفة أو مصادرتها ) (15) .
تيار الوعي :
قسم لوكاتش الرواية فى كتابه ( نظرية الرواية ) إلي ثلاثة أنواع يهمنا منها ( الرواية النفسية ) التى تقدم ( البطل المثالي وقد تحرر من مرضه العضال وتحرر من وهمه ، دون أن ينطلق تماما من أسار رومانسيته ومن هنا فإنه يصبح مادة خصبة للتحليل الداخلي حيث تقدم حياته الباطنية وحدة وعيه الذي يجاوز فى تعقده وشفافيته معا ، كل ما يطرحه الواقع ، خصوصا عندما لا يقدم هذا الواقع بمواصفاته الراهنة ما يرضي وعي البطل ) (16) ومن هنا كانت إجادة الكاتبة لرسم الملامح النفسية الداخلية لصالحة فلا يكاد يمر بها هاتف أو خلجة إلا ورصدتها وترجمتها بشكل رفيع لأنها تقدمه لقارئ رفيع الثقافة لا يتعجب عندما تحدثه عن بنتام وميل ومذهب اللذة الأخلاقي الفلسفي الذي ينص علي أن : ( تحصيل اللذة هو القوة الدافعة لتصرفات البشر وغايتها الأخيرة )(17) . وهنا نري كيف أنها خالفت هذا المذهب كما هو واستخدمته فقطط كما يراه أبيقور الذي يذهب إلي أن اللذة التى تجلب السعادة ( هي تلك التى لا يعقبها عذاب ولا ألم ) وهذا ما جعلها تتخذ قرارها بترك محمود وأيضا عدم استسلامها لإغراءات ضو وعبد الله .
إن الاعتماد علي الداخل والجواني فى الشخصية كان لابد له لكي نستخرج مكنونات الشخصية من استخدام تيار الوعي الذي يجعلها تستحضر اللحظات وتتأملها ، تستحضر أشخاصاً وتحاورهم وأيضا تترجم الانعكاسات الشعورية التى تثيرها فيها رؤية للعين أو سماع من الأذن وتوضح مدي التغيرات الداخلية التى تحدث لها .
ألا تحبين محمود ؟
صواعق / صواعق / صواعق
أنا أحب محمود !
حب !
زخارف – نقوش – متاهات – صدي – فحيح – نقيق .
أيضا ترجمتها ( لبقعة القهوة التى سقطت علي البلاط ) وكأنها لوحة تشكيلية تنعكس عليها كل ما يعتمل بداخلها وهو ما يذكرنا باختبارات ( الرورشاخ ) فى علم النفس وهو ما ليس غريبا علي شخصيتنا هذه .
حول السرد :
أولاً الرواة : يحتل الراوي الأول الذي يصف بضمير المتكلم والمسمي أيضا الراوي صاحب وجهة النظر – حيزا كبيراً باعتباره شخصية محورية تشترك فى الأحداث وتحركها حسب رؤيتها حتي يشاركها القارئ وجهة نظرها . لذلك نجده ترتكز علي الشعور الداخلي فتصف لونه وطريقة شحنه بل وما يؤثر عليه إذا سمعت الأذن أو رأت العين .
ثانيا - اللغة :
تنقسم اللغة فى الرواية إلي ثلاثة مستويات :
أ- لغة السرد العام: التى تربط بين الحلقات والمتابعة للحبكة وهي لغة صافية خالية من الرموز والمعاني الإضافية .
ب- لغة الأشخاص : التى تستقى عناصرها وتراكيبها من الموضوعات والحوارات الثقافية التى تستمد اهتماماتها ومن اهتمامات الانتلجنسيا مثل حوارات ( أحمد مع صالحه ) وحوارات ( مصطفي وسالم مع صالحه )
جـ – لغة الداخل : التى تمثلها صالحه فى تيار الوعي وأهم ما يميزها المنولوجات الطويلة والاسقاطات النفسية . أما مستوي السرد فهو يسير بشكل متواز عند كل الشخصيات باعتبارهم جميعا من الانتلجنسيا . فلم تكن هناك لغة أعلي فى مستواها الثقافي من لغة شخص آخر . ولم يكن غريبا أيضا أن تعج الرواية بالمفردات الموسيقية ( كونشرتو البيانو لتشايكوفسكي – باخ – بتهوفن – ناصر المزداوي ) وأسماء المغنين ( محمد مرشان – الدوكالي ) ومفردات الفن التشكيلي ( السريالية – بيكاسو – الجورنيكا – رمسيس يونان ) مفردات الأدب ( كازنتزاكس – بازوليني – حَنّا مينة ) مفردات الفلسفة ( بنتام وحساب اللذات ) وعلم النفس ( المازوكية والعصابية ) . وقبل أن ننتقل إلي نقطة أخري يجب ألا نغفل المفردات الليبية الخاصة مثل ( باهي ) ( الله غالب ) ( شن – ناويه ) . ومن هنا كانت الراوية تخاطب قارئاً علي مستو عال من الوعي حتي يستقبل الراوية أفضل استقبال عندما يضع كل مفرده فى سياقها واضافاتها فى الجو العام للرواية .
ثالثا- تكنيك السينما :
تستخدم فوزيه شلابي في عملها هذا الكثير من تكنيك السينما فى الكتابة وذلك حسبما يتراءى لي يأتي بالكثير من الايجابيات والتميز خاصة فى هذه الرواية التى تعتمد بشكل رئيسي علي تأمل الداخل ورصد الخارج والربط بينهما بما يشبه الاستقراء والاستنتاج من قبل البطله والقارئ أيضا . فهي تربط تجربتها الخاصة الداخلية بالشخصيات الأخري وتوضح تأثيرهم باعتبارهم ضمير المجتمع الرجولي ( العربي) علي البطلة الأنثي ومدي تأثيرهم أيضا فى اتخاذ قرارها بالابتعاد عن محمود لب قضيتها وقضية كل امرأة عربية مثقفة . وهي فى سبيل تصوير ذلك تلجأ إلي تقنيات سينمائية هامة كالمونتاج والمونتاج الموازي والفلاش باك وأيضا استخدمت في الكتابة سرعات مختلفة مكثفة وبطيئة وأيضا اللقطات المكبره التى تعرف بـ Close up .
المونتاج : Montage ( وهو ترتيب اللقطات بحيث توحي بفكرة مخالفة للأفكار التى توحي بها اللقطات وذلك لتوضح أشياء لم تكتب ) (18) مثل ( الزمن ) فى الرواية والذي يصعب تتبعه . لأن الكاتبة بدأت الرواية بحالة قلق أنثوي مثقف ثم امتدت الأحداث ليظهر سبب القلق ( محمود ) . ثم لقاءات قليلة ثم اتخاذ قرارها بالابتعاد . ويظهر كل ذلك فى لقطات أشبه باللوحات النفسية والفلسفية تصلنا من خلالها الحكاية كلها دون التعاقب الزمني المتعارف عليه الذي لا يجهد القارئ لذلك فإن نجاح فوزية شلابي فى ترتيب هذه اللقطات عبر الرواية فى غياب الزمن كان لابد أن يلجئها إلي أن تتحول إلي كاميرا راصدة متحركة حسب المشهد أمامها . سريعة لتصف لنا ( سرب العصافير والولد الذي يركب دراجة فى شوارع طرابلس ) أو بطيئة لتصف الغرفة بما تحتوي من منضدة ونبات ظل وحتي الكتب علي المنضدة ومنديل به بقايا كحل . حركة الوصف البطيئة هنا تعطي انطباعاً بالملل الذي تشعر به البطلة دون أن تصرح به .
أما لقطات الـ Close Up التى لا تظهر أكثر من رأس الممثل وكتفيه بحيث تملأ الشاشة أو تكاد (19) فنستخدمها أيضا عند الاقتراب والمواجهة بينها وبين مشاعرها . أحاول أن أريح رأسي علي كتفي فتحيط بي غيلان الرغبات . أني احتاج رجلاً ولابد أن هناك رجلاً ما في هذا الحي – فى هذه المدينة – فى هذا الوطن فى هذا العالم يحتاجني كما أحتاجه وربما أكثر ) (20) .إن رأس وأفكار صالحة هنا هي كل المشهد وهي محور الحديث لأن الرغبة هي كل ما كان يجب التركيز عليه . أيضا عندما تتخيل أنها تجلس محمود علي المقعد بكامل هيئته لتدير معه حواراً وهي لا تدير حواراً فعليا بل تلقي عليه هي ما تريد في شبه محاكمة من طرف واحد ومحاكمتها لنفسها أيضا ( قولي يا صالحه لماذا كنت …. )
اما المونتاج المتوازي الذي نستخدم فيه لقطة أخري لشئ آخر ربما يكون رماد أو نيران مشتعلة أو سقوط فى حفرة أو حتي صـراخ قطط ليعبر عما بداخل الشخصية أو يوصل المعني للقارئ المشاهد دون الإفصاح عنه فنجده أيضا بالرواية فى قرارها الداخلي بأن ( أوان الموت لم يأت بعد ) وهي تسقي النبات قصدت النبات فى الكتابة لتعبر عن محمود وعلاقته فى الأصل . أيضا عندما أنقذها زميلها من التعثر فى صندوق القمامة فى الحفل الذي هربا منه ( يقف محمود علي الحافة المقابلة للحفرة يمد عصاه ويقول – هيا لتعبري بسلام .. اندفع نحو الحفرة ) يجذبني سالم من ذراعي فى استحياء واعتذر ( انتبهي لقد كنت علي وشك التعثر فى صندوق القمامة ) كانت الحفرة علي المستوي البصرى والسقوط علي المستوي النفسي فى هوة محمود لذلك نجدها قد استخدمت صندوق القمامة ليوازي ما يحدث فى داخلها .
استخدمت فوزيه شلابي أيضا ما يعرف بـ البلاتوه وهو مكان التصوير وذلك لتصوير المكان أو ايحاءاته أو إبراز معالمه مثل شوارع طرابلس يوم الجمعة صباحا . وتصوير العرس الأسيوي فى الكنيسة الكاثوليكية بالاضافة إلي مكان رؤيتها لمحمود أول مرة أثناء تغطيتها الصحفية لأحد المؤتمرات . بقي من هذه التقنيات والتى اعتبرها أهم آلية فى العمل هي ( الفلاش باك Flash back " الإرتداد الزمني " وهو مشهد يقاطع ليعرض فعلاً حدث فى الماضي ) ( 20) وهو يتواءم تماماً مع رواية يغيب فيها الزمن بتعاقبه التقليدي من ناحية ويناسب جداً قصة تأمل ذاتي للمشاعر واللحظات بما يستلزمه من استعادة لحظات الفرح أو التردد أو حتى الرفض وهذه الاستعدادات تنتشر فى الرواية بدرجة ملفته فهناك مثلاً تأملها للمنفضة التى لا تزال علي الجانب الأيمن للمنضدة عند رؤيتها تبدأ فى استرجاع زيارة محمود لها ( الفصل الرابع ) استرجاع ملامحها النفسية ومبدأ اللذة فى دروس الفلسفة فى دراستها الثانوية مع زميلاتها المشاغبات والمدرس الفلسطيني ومدرسة اللغة الفرنسية أيضا . رؤيتها للفرح الآسيوي فى الشارع يجعلها تسترجع تجربتها القاهرة مع أزواجها الثلاثة .إنها هنا تستعيد هذه الأحداث وفقما يستثيرها من مواقف فقط لتوضح الأسباب وتعطي أحداثا متراكبه عبر الحدث الواحد فتتعدد الرؤية وتتكثف الأحداث وتثري الجو الروائي فى قليل من الكلمات التى تمتد وتتشابك عبر إضافة القارئ وربطة للعوالم الروائية المقدمة لتخرج فوزية شلابي من تقليدية القص إلي لغة أكثر خصوصية لقضية تكررت الكتابة حولها فاجتازت بها حاجز الحداثة وأمتعتنا .
قائمة المراجع
1- رامان سلدن ، النظريات الأدبية المعاصرة – ترجمة د. جابر عصفور دار قباء للنشر – القاهرة ص 205 .
2- المعجم الفلسفي المختصر ، ترجمة توفيق سلوم – دار التقدم الاتحاد السوفيتي 1986 ص 68 .
3- فوزية شلابي ، رجل لرواية واحدة – المنشأة العامة للنشر والتوزيع والإعلان الجماهيرية الليبية – طرابلس ص 120 .
4- نفسه ص 91 .
5- نفسه ص 89 .
6- نفسه ص 116 .
7- نفسه ص 43 .
8- رامان سلدن ، النظريات ادبية المعاصرة – ترجمة جابر عصفور – دار قباء للنشر – القاهرة ص 193 الجزء الخاص بالنقد النسائي .
9- نفسه الجزء الخاص بالنقد النسائى .
10- نفسه ص 195 .
11- فوزية شلابي ، رجل لرواية واحدة – المنشأة العامة للنشر والتوزيع – ليبيا