كائن لا يحتمل إلا وحدته

دكة خشبية تسع اثنين بالكاد 

شحاته العريان

( لم  أرد سوي أن أعيش مستجيباً

    لما أتلقاه عن ذاتي الحقة ،

    لماذا كان ذلك أمراً بالغ الصعوبة )

دميان هرمان هسه

 علي نحو قريب من هذا التساؤل ، يتساءل شحاته العريان أيضا وهو علي دكته الخشبية التى اعتاد الجلوس عليها وحيدا كمحطة فى منتصف المسافات ومنتصف التعب ومنتصف الحيرة يطرح شحاته تجربته بعد أن قرر فجأة أن ( يأخذنا من يدنا إلي ذلك المقهي الصغير الذي يستخدم جدار الجامع الحجري المفتت كرصيف له ، نشرب معه شايا وندخن ونتكلم براحة وود ) (1) .

وهنا سوف نتوقع حكاية تقليدية تتنامي دراميا حتي العقدة ثم الحل أو النهاية المتوقعة باعتبار البطل يعرف تماما التجربة التى عاشها . ولكن العكس تماما هو الذي يحدث . فيظهر البطل كأنه لا يعرف شيئا عن أسباب ما يحدث علي مستوي الحياة الشخصية والعلاقات الاجتماعية والتى كان يتوق ألا تكون كما هي الآن . فقد توقع أن تسير الحياة حسب النتائج المنطقية لمعطيات منطقية تربي عليها ثقافيا وأسريا، فكانت النهايات المحبطة والهزائم علي المستوي الشخصي والاجتماعي ، التي أفقدته يقينه وإيمانه الثابت بالأشياء والأشخاص .

وإذا كانت طبيعة القرن العشرين تعتمد علي غياب المطلق والثابت ونسبية الوجود وتغيره ، نجد كثيراً من الكتاب مثل سارتر وبرخت وبيكت قد انصرفوا إلي تصوير عبثية الحياة ، فصوروا إنسان القرن العشرين بموقفه المضحك الباكي مؤكدين عبثية كل شئ بعدة أساليب يهمنا منها هنا ، تأمل الواقع والمألوف  ( لكسر الألفة بيننا وبين هذه الأشياء المعتادة ) . فما بالنا بكاتب يعيش فى نهاية القرن ، قلبه معلق بالناس والأماكن ! لقد فقد بطل شحاته العريان إيمانه بالقدر الجمعي مثل باقي المثقفين الذين جمعتهم كلمة الاشتراكية أو اليسارية بأحلامها الجمعية العريضة ثم انفتاح السبعينات بصدور القانون 34 لسنة 1974 ونمو توظيف الأموال وحركات المد السلفي ، وتزامن معها حقبة النفط التى أحدثت تغييرات كثيرة فى البنية الاجتماعية ثم محاولات تغيير قانون توظيف الأموال عام 1988 وانهدام أحلام الفقراء معها نتيجة للسلب والسرقة تحت ستار الدين ، هذا بالإضافة إلي نمو الحركات الإرهابية المناهضة للمجتمع . كل ذلك أدي إلي تخبط الحراك الاجتماعي ، مما أسهم فى زيادة حدة التبعية السياسية نحو القطب الوحيد . وآثارها الاجتماعية التى نعاني منها اليوم .

مثل هذه التغيرات القاسية التى لا قبل لأحد بمناهضتها ماذا يفعل حيالها مثقف ومبدع التسعينات؟ وماذا عن المواطن العادي ؟

 

1- المرأة المجتمع :

 

لعل النساء فى رواية شحاته العريان يكن خير بداية للحديث بعد المقدمة السابقة ، ولعل حسه الذكي هو ما دفعه لرصد شريحة شعبية لنساء عديدات رسم فقط وباقتضاب خطوط شخصياتهن الخارجية          ( نساء أبواب البيوت والأسطح ودورات المياه المشتركة نساء صواني الشاى اللامعة نساء التأنق والحنتفة وكيد الجارات النساء البذيئات السليطات اللسان الطيبات ذوات القلوب الرهيفة اللائي يفزعهن لحد اللالتصاق بظهرك رؤية فأر صغير ) (2) .

ثم اختار بعد ذلك نموذجين شابين لفتاتين تربي وعيهما حسبما فهمت أنا فى السبعينات والثمانينات، أولاهما هي مريم التى كانت تمارس معه الجنس مع الحفاظ علي عذريتها وهذه اللحظات الخاصة كانت تؤمنها لهما جيهان الطفلة . التى تحولت أمام عينيه فجأة لفتاةناضجة مراهقة تستولي عليه أثناء علاقته مع مريم وبعدها . ثم تقرر ترك المدرسة بعد الاعدادية والعمل فى محل بالعتبة . بل وتستأجر غرفة بالسطوح لها وحدها تدفع إيجارها لصاحبة البيت ولا تخبر والدها بقيمة الإيجار . فقط لأنها علي لسان والدها لها قرش ورأي أيضا وهنا نري صراع القيم بين صوت المال وسطوة الأسرة التى تراجعت وانهزمت حسبما سنعرف بعد ذلك أنها ( اتلمت علي واحد من الجماعة العرب . سافرت معه إلي لبنان ثم قطر ثم الأردن ثم عادت لمصر ) فلم تذهب لأسرتها ولكنها كانت ( قاعدة مع واحدة تانية فى شقة مفروشة فى المنيل ) (3) وموقف والدها فى مقابل ذلك أخذ         ( يجعر جمعتين ثم سكت ) (4) بعد خطاب ونقود أرسلتهما إليه فاصطنع حكاية وهمية عن زواجها كغطاء اجتماعي للفضيحة وعلي النقيض تماما يرصد شحاته فى روايته عددا من النساء الجميلات شرائح مختلفة فى أماكن مختلفة وكلها نماذج مضيئة .منها والدة البطل ، وعلاقتها بأبيه وعمته أيضا والعلاقة الأسرية فى الماضي فى ميت رهينة ودسوق. ليضعنا رغم أنفنا فى مقارنة بين نماذج التسعينات ونماذج الماضي المضئ غالباً فى الرواية كلها. لقد اختار شحاته المرأة للنظر من خلالها ونري بصدق مدي التغيرات الاجتماعية . لأن المرأة هي المقياس الحقيقي لحرية المجتمع أو انغلاقه أو حتي انحلاله . فقط لأن المرأة هي أخر من يسمح له بتجربة الحرية أو الفوضي أو حتي البيع لتجار الرقيق الأبيض من سماسرة الفقيرات المصريات لأثرياء العرب أو من أبائهن الجشعين ، الذين ربما دفعهم ( سوء الأحوال الاقتصادية وجهلهم ) إلي بيع بناتهم حلاً لأزماتهم المالية التى هي بالأصل اجتماعية وسياسية بالدرجة الأولي . ولا ننسي قبل أن ننتقل إلي نقط تالية أن نشير إلي رصد شحاته لصورة شباب الحارة الذين ضبطوا فى الغرز أووهم يبيعون الدخان وأيضا البنات اللائي درن علي حل شعرهن - .

لقد تحدث شحاته عن كل الأزمات المتجتمعية والسياسية بأقل الكلمات لأنه تقاسم معنا المعرفة والنتائج . رصد الشخصيات للقارئ وترك للقارئ الذكي وضع كل شخصية فى إطارها الزمني ليعرف دوافع كل شخصية واسقاطات ظرفها التاريخي عليها فنستنتج نحن شكل الحياة ونسيج العلاقات السائدة .

 

2- هاجس العدمية :

 

إذا كان هناك هاجس ملح يسيطر علي الحداثة الأدبية فهو العدمية والكاتب حسب رأي " إرفنج هاو " لا ينبغي أن يكبت شبح العدمية داخله بل عليه أن يطلقه حتي لا يتدمر به ، والعدمية ليست مصطلحاً واسع المدي فى إشاراته فحسب ولكنها مصطلح مشحون بانفعال تاريخي يقبل التسليم الذي يؤكده الوعي بضياع النواهي المتعالية والقيم المدنية علي السواء بوصفها دليل السلوك الأخلاقي " (5) .

وهنا نري قيمتي الصدق والكذب ، وجدلية التعامل بهما وفق آليات المرحلة التاريخية التى غيرت آليات التعامل الاجتماعي . فنري البطل مراهقا ( يضرب في المدرسة لأنه لم يستطع الكذب بشأن كتاب)  ونراه شابا ( يقع فى هوي الكذابات ) وحتي بعد نضجه وزواجه ، ينفصل عن زوجته فيما بعد فقط ( عندما بدأت تكذب ) .

نري أيضا قيمتي العدل والحرية ، وكيف تحولتا إلي مجرد مزحة فى الواقع المعاصر ، كيف شوهتا كتابة ومعني فى مقهي يمتلكه تاجر مخدرات ، فكان العدل هو الذي نجاه من يد الحكومة والحرية هي التى حصل عليها لعدم كفاية الأدلة ..!! .

وهنا لا يجب أن نتسرع فى الحكم فى الحكم علي بطل الرواية لأنه اكتفي فقط بالنظر حوله . فقد حاول مرات عديدة التشبث بالوسط الحسابي وكان الفشل الذى باءت به المحاولات يجعله غير متوازن بالمرة . يائسا وبليداً ( فى منتصف أعمارهم بلداء وبائسين ) (6) وفي عبارة أخري ( كم نحن مضحكون لنحتمي بثقة كتلك ) (7) ( أنا الذي لست سعيداً الآن وبلا رغبات أيضا ) (8) . كل هذه الجمل المتناثرة عبر الرواية بدلالاتها وعطاءاتها علي مستوي النص لا تعطينا أي انطباع سوي التشاؤم والعدمية والفشل فى إقامة علاقات طويلة مع الآخر الخافتة فى علاقات الصداقة ، قصيدة أصدقائي ( الذين استحضرهم لأحصل منهم علي مواقفهم الملائمة لي ، ثم أردهم إلي حديقة الخلود) ونري أيضا العلاقات العاطفية المنطفئة التى نخرج منها ونحن ( نترك بعضا منا هنا وبعض هناك ) ولا يفوتنا أيضا موت الأحلام السياسية منذ ( جماعة الدب الأعور لتحرير فلسطين ) فى مرحلة الطفولة والحس الوطني الواضح ومردودها الساخر من قبل الزملاء ، وفي موضع أخر يقول البطل ( كما سأسخر من جماعات أخري ساهمت فى إنشائها ) . أما الموت الحقيقي فأتي بشكل مأساوي وهو موت ( مني السكندرية بالسرطان ) وموت والد البطل في حادث سيارة بشكل مفاجئ تري هل يقف البطل مبتسماً أمام كل هذه المفردات المتشحة بالسواد ؟!

 

3- الأماكن :

 

تحتل الأماكن فى رواية شحاته العريان مكانة بارزة لا يستطيع أي منها اجتيازها دون أن يسأل نفسه لماذا كل هذا الاهتمام بالأماكن ؟ دسوق . القاهرة . حلوان . ميت رهينة وأيضا غرفته التى كانت مركز الكون بالنسبة له كأنها تحتوي القاهرة بأكملها علي جدرانها يضع خريطة القاهرة القديمة ومنها يبدأ خطة المشى القادم والكشف القادم وأيضا شقة السلطان حسن حيث يغمض عينيه ليلتحق فى ثانية بركب المماليك والسلاطين والقلعة . والأحجار كل الأحجار نجده مولعا بها حتى قراءته الزيني بركات وثلاثية نجيب محفوظ كل هذا الغرق والترحال فى العصور الفرعونية والإسلامية ( ربما كان علامة حرمان فى الأغلب أو علامة حنين ) إنها هناك .. ولكنها ليست بيتنا الذي نسكنه الآن . وإذا ربطنا بين حالة الهروب عبر الزمن هذه واحباطات الواقع المعاش علي المستويين العاطفي والاجتماعي ولن نكون مبالغين إذا قلنا ببساطة أن ذلك حالة هروب أو حيلة من حيل الدفاع النفسي حتي لا نجن أو ننتحر نتيجة فشلنا فى الوصول لنقطة الوسط الحسابي مع الدنيا والناس . هذا من ناحية من ناحية أخري يترك لنا شحاته بعد أن يجرنا معه إلي هذه الأماكن التى ليست حميمة لدية فقط فهي قاسم مشترك أعظم بينه كمثقف ( راوٍ ) وبيننا كمتلقين واعين مصريين . فالفراعنة والمماليك والفاطميون ليسوا أجداده وحده بل أجدادنا أيضا من هنا يوقعنا بذكاء شديد في مصيدة المقارنة بين عصر الفراعنة وأحفادهم . بين قاهرة الثلاثينيات عند نجيب محفوظ ، قاهرة المماليك بالأجواء التى تجعل التداعي الحر لا مفر منه لمقارنة هذا الماضي باللحظة التاريخية المعاشة ونحن علي اخر أطراف القرن العشرين لا يتوقف عطاء المكان فقط علي الأحجار والجبال ولكن من يسكنون هذه الأماكن أخلاقهم ، مواقفهم وتفاعلاتهم يستدعي كل ذلك أيضا المقارنة بنسيج العلاقات الاجتماعية مما يتيح للعمل أن يتداخل جيداً مع لحظة الوعي لدي المتلقي .

 

4- الجنس / المخدرات :

 

قبل الحديث عن التاريخ الجنسي للبطل لابد أن نذكر عبارة  إرفنج هاو ( إن الكاتب الحديث يكدح وراء الاحساسات بالمعني الجاد للكلمة وهو لا يفكر فى الموضوع بوصفه شيئا يستعيده أو يسترجعه بل بوصفه شيئا يغزوه ويوسعه قليلاً . إن هذا الكاتب بطل ممسوس بالأعماق وأيا كانت هذه الأعماق . أعماق المدينة . أو النفس أو الأسرار أو أحياء الفقراء أو أقصي درجات الإحساس الذي ينجذب إلي الجنس والخمر والعقاقير أو تجمعات الأغفال الذين تعج بهم أزقة المجتمع ) (9) . ومن هذا المنطلق يفتح لنا نافذة نطل منها علي حياة البطل الجنسية بدءاً من نهمه بالصور الجنسية فى الكوميديا الإلهية لدانتي وهو مراهق .. ثم لمسات الأيدي غير المدربة ، ثم التلصص علي الجيران ، ثم مرحلة الخيالات التى طالما عطلت عليه متعاً كثيرة كانت تأتيه فرصها ( فيتخشب مكانه ) وهنا نري أن البطل لا يخجل من طرح التجارب كلها علينا حتي علاقته مع مريم ومع جيهان قبل أن تترك المدرسة وبعد زواجها فى الليلة التى قضاها زوجها فى حجز النقطة . إن البطل دون خجل أو تبرير يقدم تجربته بصدق شديد تواءم تماماً مع نسيج العمل الكلي . فقط لأنها جزء من انسانيته وفهمه الخاص لأشيائه الخاص  . وهو لا يترك لأي أخر مناقشة هذه الأمور لأنه نفسه لا يناقشها وقد قطع ذلك بعبارته ( ليس عدلاً هذا وليس ظلماً أيضا ، إنه نحن !! ) أما ما يقوله علم النفس هو الدلالة فقط ففي حالات الخوف من الموت كما فى الحروب مثلاً تزداد معدلات ممارسة الجنس كوسيلة لكسر الخوف ، للإحساس بوجود آخر معك قريب منك ، يشعرك أنك لست وحيداً . وهنا يظهر بجلاء الدافع الأول لإقامة علاقة جسدية مع حالات القلق والوحدة والخوف الذي يسيطر علي ضحيته أما المخدرات فيلجأ إليها عادة كحالة يمكن أن تخرجه من كابوس الواقع حيث أنها تسبب شعوراً بالسعادة مع تلاشي مؤقت للمشاعر التعيسة . وهي تستكمل أيضا دور الجنس فى الدوافع والدلالات فنري فى أماكن كثيرة بالرواية مدي أهمية هذا الطقس لدية بحيث أصبح جزءاً من يومه تقريبا كالقراءة تماما فهو يقرن بينهما ولا يستطيع القراءة قبل إقامة هذا الطقس ( رص المعسل وتقطيع الحشيش وفرك الفحم وصب الشاى وتغيير ماء الجوزه النحاس وضبط الغابة وتخشينها والاستفتاح بخمسة أحجار قوية متتابعة يفصل بين الحجر والحجر رشفة شاي ) ص 27. وأيضا فى مكان آخر (  شقة عثرت فيها علي الحب فى زمن الكوليرا) ( وحشيش )  متجاورين فى لحظة واحدة وعلي غير توقع وكنت حتي ذلك الحين تعتقد أنك شخص غير محظوظ )  ص 53 . وعلي لسان مغاوري السروجي جاره ( الجوزه النحاس اللي بتضرب نار طول الليل ع السطح يا عم دا صوتها منيمنيش امبارح طول الليل) ويستمر سرد البطل ( وعندما وضعت له مرة حشيش علي المعسل كح وشرق وداخ ) ص 72 . الشاي أيضا يقترن بالحشيش وطقسه والقراءة فى مكان آخر بالرواية ( أحضر لك صبيانه عشرة أحجار مبصومة ومصفاة الفحم الوالعة ، انبسط مني واستجدعني عندما اشعلت العشرة أحجار تباعا ) ص 109 .

 

5- الوحدة :

 

" عندما تنقطع علاقتنا بالآخرين ، نفضل وحدتنا ، وعندما نصنع علاقات طويلة بالآخرين ، يفسدون بهجة حياتنا لأننا دائما نؤجل أشياءنا الخاصة ، الحميمة نفسيا بالنسبة إلينا " . فليظل الجميع إذن ضيوفا علي وحدي لبعض الوقت . هذا باختصار ما يريده بطل شحاته العريان من الآخروالوحدة هنا ليست حلاً مختاراً أو ملاذاً مختاراً بالنسبة له . ولكنها كانت حلاً أخيراً بعد أن ساءت علاقته أو ارتبكت مع الأصدقاء والزوجة .

إنه يرغب فى الحديث ( بود وخفوت ) مع أحد ولكن ذلك لا يحدث فنجده فى الرواية ( يجلس مرتاحاً فى مكان اثنين علي الدكة الخشبية طبعاً ينصرف إلي نفسه كلية يحادثها ( بخفوت وود ) ويبرر لنا عشقه للوحده فى الرواية فيقول لنفسه وللقارئ بشكل غير مباشر طبعا  ( لست مجنونا علي نحو جلي لكنك شخص وحيد ، تفتت عنك الجماعات البشرية كلها الأقوام والقبائل ، والعائلات والأسر ) .

لم يعد يلائمك أيا منها . وتحب وحدتك فعلا ولن تدخل مكانك ثانية أي شخص يشاركك الإقامة سوي لو كان ضيفا لبعض الوقت وهنا أتذكر قول فلوبير ( الحياة فظيعة إلي درجة لا يمكن احتمالها إلا بتجنبها ولا يمكن لذلك أن يحدث إلا بالحياة فى عالم الفن ) وربما كان ذلك ملائما لشخصية البطل فى ظل تفتت العلاقات العائلية خاصة وهو بطل مأزوم يعيش نهاية القرن أحب حياة التصعلك ، ووصل إلي الخمسة والثلاثين ولم تطالبه الحياة بشئ ، فكان من الطبيعي ألا يستطيع الانخراط فى نسيج المجتمع أو الانخراط مع آخر فى علاقة طويلة تخنقه فيها طقوس الزواج والميلاد والعبارات الملائمة لكل مناسبة ، ومواعيد الطعام والشراب والنوم .وهذا ما جعله يصرح لنا أنه فقط عندما تخلص من آخر معاقل الأسر وهي أسرته الصغيرة بالطلاق يقول لنا ( كنت أكتب بشهية وآكل بشهية ، استعيد قدرتي علي الانتشاء والقراءة ) .

 

حول آليات الكتابة :

 

الشخصيات : لا يعتمد شحاته العريان فى رسم الشخصيات علي الطريقة التقليدية ، أي أنه لا يرسم ملامحها الخاصة المميزة لها ولا يعالجها بوصفها كياناً متلاحماً ولكنه يلجأ إلي ما يعرف Pointillism وهو اتجاه يسعي إلي إذابة الشخصية علي مسار من الأحداث الموضوعية الخالصة ليلفت النظر إلي ما يحركها من دوافع وأسباب وليس لملامح الشخصية نفسها وهو ما يخدم هدف الكاتب الذي ينتظر من القارئ وعياً كبيراً ومشاركة تصل إلي درجة الإبداع وليس للمشاركة فقط وهذا بالطبع يتطلب يتطلب قارئا إيجابياً واعيا لأنه من يقوم بعملية الفهم والإدراك التى تمكنه من الوصول إلي الدلالات المختلفة للعمل الروائي . لأن الميل إلي الغلق والإحكام للأجزاء المتناثرة ( عبر الرواية ) لتشكيل القصص فى إطارات هو نتيجة للتصورات الأساسية الكامنة فى أسس العقل حسب رأي فيليب ستيفيك .

 

مستويات السرد : تتعدد المستويات السردية فى الرواية بتعدد الرواه فالراوي هو ( راوي ضمير المتكلم ) الذي يستطيع أن يصف بضمير ( أنا ) و ( نفسي ) وهو ما يصبغ الكتابة بالذاتية هذا إذا تقبلنا العمل علي أنه سيرة ذاتية خاصة وأن العمل يكشف عن مساحة كبيرة من الأسرار والأفكار الخاصة التى يخاف الكثير من الكتاب التطرق إليها بهذه الصراحة والصدق خاصة فيما يتعلق بالجنس والدين مثلا باعتبارنا شعوبا تؤثر ( الستر ) علي الصدق . وتستنكر الاعتراف وتتلهف عليه . وتختلف أخلاقيا مع هذا الكاتب ويمكن أن تسقطه من حق الشهادة أما عندما يتعلق ( راوي ضمير المتكلم ) فى لحظة تاريخية بوصفها خلفية مشتركة بينه وبين القارئ أو بين من هم فى نفس ظروفه فلا يجب أن نخنق التجربة إذن في أفق تلقي واحد يظلم العمل . يوجد أيضا راوي ( ضمير الغائب ) الذي يتناوب الظهور مع ( ضمير المتكلم) ليكسر تيار الوعي فلا يستمر في التداعيات .

أما ( الراوي صاحب وجهة النظر ) فهو غير موجود تماما ويحل محلة راوي يقل استخدامه عادة وهو ( ضمير المخاطب ) . ( كم نحن مضحكون لنحتمي بثقة كتلك ) ص 187 . ( ينبغي أن يكون الواحد متعقلاً فى غالب الأحيان ما دام غير نائم وليس فى ممارسة جنسية ) ص 172 ( المؤمنون فقط هم المتفائلون بشأن العالم ) ص 189 .

أما لغة الحوار الذي يبرز العلاقة بين الشخوص وطبيعة كل منها فتختلف باختلاف مستوي الشخصيات ثقافياً واجتماعيا مع استخدامها للغة العامية بشكل كبير خاصة أنها تتلاءم مع سكان الأحياء الشعبية ودرجة ثقافتهم سواء فى مصر القديمة أو القلعة ( عملت اللي عليك يا أبا .. يا خييبي )  ص 81 ( بت الكلب مش راضيه تقوللي . أنا كله خايف ( الوليه ) تكون ضحكت عليها ) ص 85 ( الحزين الغفير عقله علي أده ) ص 127 ( تار جوزي تار أبوك يا إبراهيم ) ص 129 .

 

إيقاع اللغة : عبر لغة محايدة تتفق مع الرؤية المحايدة التى سادت العمل تقريباً يبدو التدبر فى الألفاظ وبطء الإيقاع الذي يتفق مع شخصية لا يهمها الوقت علي الإطلاق حسبما يبدو من السياق يصوغ شحاته راويته وربما كان بطء الايقاع مقصوداً لأن البحث عن أسباب هذه الفوضي وهذا الزلزال علي مستوي العلاقات . وهنا أتذكر لغة إبراهيم أصلان فى ( بحيرة المساء ) ( ووردية ليل ) وأيضا لغة هيمنجواي ببردوتها وشاعريتها أيضا حيث توجد قصيدة كاملة ( ص 115 )         ( أصدقائي ) اعتقد أنه اختصر فيها ما كان سيكتب فى أوارق كثيرة جداً . وأيضا ص 55 ( أيها الأحمق الذي استهلكت حياتك فى التأجيلات متي ستعيش) .

 

البلاتوه : هو مكان التصوير السينمائي للقطة التى نريدها وعبر الرواية ينتشر عدد من البلاتوهات وصفها شحاته بعد إلتقاطها بعين كاميرا وبشكل بانورامي يتفق مع موضع الكاميرا ( سطح المنزل الذي يسكن فيه ) ليري القلعة ومسجد السلطان حسن ومسجد الرفاعي فى مواجهته بتداعيات المكان من مماليك وسلاطين . ونري أيضا حركة الكاميرا خلف البطل تتبعه أثناء مشيه لاكتشاف الشوارع التى قرأ عنها فى الثلاثية ( قبو قرمز ) ( بيت القاضي ) ( السلطان حسن ) في لقطات أحسبها أنا شاربوه طويل فيما يعرف بلغة السينما . وحركة الكاميرا لتتبع اللقطات الخاصة بالزلزال فتقترب منها الكاميرا ( كثيراً جداً من تلك البيوت الحجرية الواطئة ، اختفت بناسها وشرفاتها وبدت من الفراغات علي جدرانها التى لم تسقط دهانات الغرف الداخلية بألوانها الحادة وبقايا الأثاث وقطع ملابس وملاءات ترفرف فى  الهواء ) ص 168 وأيضا بقايا غرفته ( مكان اليدين مسود فى بقعتين من الخريطة وقد تلطخت أجزاء أخري بالأصباغ وعانت من التأكل أطرافها ) ص 167 .

أيضا تتحول شوارع إسكندرية لبلاتوه مفتوح فهناك تتبع الكاميرا البطل الصغير فى ميدان الجندي المجهول ، قوس الأعمدة ، وحتي السينمات التى يقف أمام أفيشاتها يتأملها فقط لأنه لا يستطيع دخولها ، ثم بقية المفردات التى تثري المشهد ، لقد كان استخدام تقنيات التصوير السينمائي موفقا جدا لأن الأماكن التى يعشقها البطل بأحجارها وناسها فى دسوق ومصر القديمة والقلعة والإسكندرية كان لا يمكن أن تستوعبها صفحات قليلة بالكتاب إلا باستخدام الكاميرا . فهي كالعصي السحرية يمكنها أن تجمع مئات الأوجه فى مربع صغير ويمكنها أيضا أن تقترب وتقترب لتصور وجه طفل فقط علي الشاشه .

 

 


 

قائمة المراجع

 

        1-  شحاته العريان ، دكة خشبية تسع اثنين بالكاد ، الهيئة العامة لقصور

           الثقافة سلسلة ( أصوات أدبية ) .

        2-  دكة خشبية ، ص5 .

        3-   نفسه ص 34 .

        4-   نفسه ص 86 .

        5-   إرفنج هاو ، عن فكرة الحديث فى الأدب والفنون سنة 1967 ترجمة  

           د. جابر عصفور ، إبداع ، العدد الخامس ، السنة الثانية مايو 1984.

        6-  دكة خشبية ص 189 .

        7- نفسه ص 178 .

        8-  نفسه ص 158 .

        9-  إرفنج هاو ، عن فكرة الحديث فى الأدب سنة 1967 ، ترجمة جابر

          عصفور ، إبداع العدد الخامس السنة الثانية مايو 1984 . 

 

 


 

إطــلالةالصفحة الرئيسية