ملامــــح اجتماعيـــــة
وبنــــت لا تأتـــــى
( تِ ) / طارق العوضى
مقدمة
يري لوكاتش أن الأدب يمثل أحد أشكال الوعي الاجتماعي إذ يقول " إن عملية الإنتاج الأدبي والأيديولوجي هما جزء لا يتجزأ من العملية الاجتماعية العامة " (1) .
أقول ذلك قبل أن أدخل إلي مجموعة طارق العوضي القصصية الثالثة التى تحمل عنوان " تِ " وهو فعل أمر يقال للمرأة لكي " تأتي " . والتى تنقسم إلي ثلاثة أقسام . تتفق فى شاعريتها وانسانيتها وتختلف فى تقنياتها ومستوياتها بل وموضوعاتها مما يخرجها عن نطاق حلقات القص ويدفعنا إلي تلقي كل نص علي حده اللهم إلا لو أراد القارئ المقارنة بين النصوص المختلفة ووضعها تحت عناوين خاصة بأجوائها العامة كما سأفعل أنا . هذا بغض الطرف عن العناوين الداخلية للقسمين الأخيرين من المجموعة وهما " لحم ودم " و " تِ " التى تعتبر بنصوصها الإثني عشر مجموعة لقطات سريعة ومكثفة لمواقف بين " الأنا الراوية والهي" .
ولعل أبرز الملامح التى تتضح فى هذه المجموعة تنبع من المجتمع وقضاياه فتظهر لدينا مشكلات اجتماعية كالزيادة السكانية والدعوة إلي تنظيم الأسرة ومشكلة الثأر . ومشكلات سياسية أثارت زوابع فى حينها وانقسم الجميع حولها بين مؤيد ومعارض ، بل وتعدي الأمر حدود وطنه مصر للإهتمام بحرب لبنان مثلا كما جاء فى قصة جورجينا .
ثم يدخل طارق بعد ذلك فى جدلية مع المرأة فيما يقرب من عشرين نصا مختلفة المواقف رومانسية الطابع تتناوب بين القصر الشديد الذي يقرب من القصيدة المكثفة والطول الزائد بشكل ملفت وغير مبرر ولكن عذره الوحيد أنها ترجع إلي عام 1984 ولا أدري لماذا أصر طارق العوضي أن يضعها فى هذه المجموعة فالفرق واضح بين المستويين وكان يجب ألا يظلم المجموعة الجميلة من النصوص بهذه النصوص القديمة خاصة أنني قد علمت أنها ليست مجموعته الأولي بل الثالثة . فقد أصدر قبل ذلك " أول حب " 1987 و " هذه البنت – هذا الولد " 1995 . لكني لم أطلع عليهما .
1- الملامح السياسية :
تتبدي فى نصوص ( تيمم / جورجينا / العربة الأخيرة فى قطار الثالثة / الذبيح ) .
فى " يتمم " تصور لنا حسام الجندي فى فصيلة بالجيش والذي أصيب فى فخذه علي ما أعتقد فى حرب 6 أكتوبر – لأنه أشار إليه بيوم الثأر ولم يصرح فتأخر عنها وتخلف معه الراوي المتحدث بضمير الآنا محاولا انقاذه واللحاق بآخر الفصيلة ، التى يزعجها مزغلاً يرمي طلقاته عليهم مع أي حركة فيزحف حسام الذي كان قد تيمم قبل زحفه ولم يُصلِّ . ليلحق بالفصيلة مع الراوي لكنه فجأة يغير رأيه ونتيجة إلي المزغل وحده فيفجره بمن فيه وبالطبع يستشهد حسام وسبابته مشرعة موازيه لماسورة البندقية كسبابتي عابدين يتمتمان بالتشهد وكأنه بذلك أنهي صلاته التى بدأها بالتيمم والإصابة واختتمها بالاستشهاد والتشهد . وهو تصوير لا شك جميل موفق . وفي "الذبيح "يصور لنا سفر الراوي إلي الخارج فى بعثة قصيرة أثناء دراسته الجامعية بعد المظاهرات الطلابية من أجل سليمان خاطر. فيصور لنا كيف أنه انتقم من فتاة الاستقبال فى الأوتيل الذي كان يقيم به .
فحقق رغبته التى أوصاه بها أصدقاؤه فى المطار ( انتصر لنا من غير ذات الوطن تربت يداك ) (2) ؟
ولا أدري هنا معني – من غير ذات الوطن – ولا أدري أيضا سبب الربط بين هذا الحدث والمظاهرات التى كتب هتافاتها بنفسه قبل سفره . فالرحلة لم تكن بالطبع لإسرائيل والفتاة لم يخبرنا بجنسيتها اللهم إلا عينيها الزرقاوين وشعرها الأصفر . وهذا يرجعنا بسرعة إلي الفكرة المتخلفة للإنتصار علي الغرب ( بامتطاء نسائه ) (3). وهي فكرة صححها تعليق الدكتور بشير فى القصة .
وأخرج من هذا التعليق إلي آخر يتعلق بكيفية توظيف هذا الحدث مع الحدث السياسى باعتباره انتصاراً قوميا فما علاقة هذه الفتاة بسليمان خاطر ؟ وهل كل الفتيات يجب الانتقام منهن لمجرد أن شعرهن أصفر وعيونهن زرق كالفتيات اللائي كن السبب فى تعليق سليمان ؟ إنها لم تقدم له أية إساءة غير أنها تجاوبت معه وكثيراً ما يحدث هذا فى الغرب إذن الأمر ليس به أية صعوبة حتي يقحمها كانتقام ليقنعنا ببطولة زائفة تستكمل قصة " العربة الأخيرة فى قطار الدرجة الثالثة " حالة غياب الربط وتفكك النسيج الحكائي . فعربة القطار بها رحلة مدرسية مع مدرستهم " بهية " التى تعتني " بزايد" " إبن " سباك الحته " ومالك العمارة التى تسكن فى إحدي شققها وبشكل مبالغ فيه يتعامل معها زايد وكأنها " الدادة " وليست " المدرسة " وطبعا يقصد الكاتب بذلك اختلال القيم الاجتماعية وإرتفاع سطوة المال فى مقابل العلم . ثم يبدأ بعد ذلك فى إدخال شخصية البطل – وهو شاب جامعي يراقب ، رجلاً عجوزا وحوله مجموعة من فقراء المجتمع يبدون رأيهم فيما حولهم " نشتكي لمين يا أستاذ ؟ اللي فوق ، ما بيسمعش غير للي زيه. أما اللي زينا ما لهمش إلا ربنا " (4) .
ويقرالشيخ بأننا لكي نعيش يجب أن نقول " آمين " وهنا يفزع الشاب كأنه يعرف ذلك لأول مرة فى حياته وبمبالغة شديدة يصف الراوي " قسمات الشاب ترفض . الجالسون يشيرون إليه بسبباتهم . يضحكون، تهدجت أنفاسه – تلاحقت – خشى عليها التوقف " (5) ثم بعد ذلك " هب الشاب من مكانه مذعوراً ، يعدو بين الأجوله البشرية المرتجة ضحكا – يعدو " ثم يأمر الأطفال المشغولين بأغنية طفولية – سوقيه بلا معني بالكف عن الغناء والنزول معه من القطار إلي قرية الزعيم أحمد عرابي الذي قال للملك لقد خلقنا الله أحراراً ولن نستعبد بعد اليوم .
فيستجيب الأطفال له ويقفزون وتتوحد دقة أحذيتهم مع دقات حذائه فيما يشبه خطوة عسكرية ولا يستجيبون لردع المدرسة . وهنا لا أتصور مبرراً لهذا الإنفعال المبالغ فيه فما الجديد فى هذا الموقف لكي يستدعي هذه النهاية وهذه المظاهرة خاصة أن كلام الشيخ نعرفه جميعاً كمسلمه وأن الشاب مصري وليس قادماً من بلاد أخري حتي تفاجئه مثل هذه الحقائق . كما أن الكاتب لم يوضح أية إنفعالات داخلية فبدا هذا الشاب كمجنون . ولم يقنعنا كقراء بما فعله بل أننا لم نتعاطف معه علي الإطلاق . خاصة وأنه وصف هؤلاء الفقراء الذين يفهمون الواقع أكثر منه بأنهم – أجولة بشرية – يسخر منهم ويسفههم أيضا مما زاد من بُعدنا النفسي عن هذا الشاب وبالتالي يبعدنا عن القصة وعما أراد أن يوصله لنا .
2- المشكلات الاجتماعية :
حسبما يري جولدمان (أن هناك تجاوباً بين فلسفة الأديب فى الحياة، التى عبرعنها فى بناء خيالي له خصوصية ، وفلسفة الحياة التى تستقر علي نحو مغلف بكثير من الغموض فى وعي الجماعة)(6).
وأن الأديب كلما كان كاشفا لعذا الغموض بتمثيله لهذا الوعي فيما يقبله وما يرفضه ، وما يطمح إليه . كلما زادت قيمته الجمالية نجد طارق يدخل إلي الوعي الجمعي رافضاً أو كاشفاً الغطاء عن مشكلات كالثأر والانفجار السكاني وعدم إجتماع الرأي العام حول حدث واحد قد يكون بسيطاً كقصة حب بين شاب وفتاة فى حارة مصريه . فما بالك بما هو أكبر من ذلك يتناول طارق مشكلة الزيادة السكانية فى قصة " الكوز بصاغ " وتظهر أيضا ولكن بشكل مختلف عن القصة الأولي كما فى قصة " السيد " ليوضح أن الأمر لا يتعلق بزيادة العدد فى الأسرة ولكن بالحالة الاقتصادية للطبقة المتوسطة فى المجتمع وهم الموظفون . فى " الكوز بصاغ " يدخلنا طارق إلي غرفة نوم أسرة كبيرة العدد مستخدما الاسم الإعلامي للأم التى تنجب كالأرنبة وهو" شلبية " وأولادها شلبي – زعزوعه – مدبولي – برعي وغيرهم ( كل خطوة بنت – ولد – بنت ) (7) . وذلك ليكشف لنا عن علاقة الإنجاب بهذه السرعة ومثلث التخلف – الفقر – الجهل والمرض – فهم ينامون علي حصيرة – تغطيهم ملاءة ممزقة – فى غرفة تضيؤها لمبه جاز تبدد الظلام بالهباب ويظهر أيضا الكوز الصدئ ثم يظهر المرض الذي يجعل الطفل يسعل سعالاً لا يهدأ طوال الليل . ثم جهل الأم والجارة – الحاجة زينب – التى تشير إلي وصفة موجزها أن يشرب الطفل بوله ساخناً فتنفذ شلبية النصيحة بعد أن تُغري طفلها بقرش صاغ فيكرر الطفل ذلك كلماعطش ويطلب المكافأة من أمه وهنا لا اعترض علي الفكرة التى استهلكت شعبياً ولاقت اهتماماً إعلامياً واسعاً . ولكنني اعترض علي كيفية صياغة القالب الذي توضع فيه الفكرة لكي تكون مؤثرة أو موحيه أو حتي تستفز المتلقي للتفاعل معها . لذلك فأنا ، أعترض علي حالة السخرية التى غلفت الفكرة والكاريكاتورية التى ركز عليها ليضجك القارئ فلم ينتبه للأدوات الفنية التى تعطيني جديداً فى هذا الأمر . كما انتبه فى قصة ( السيد ) الموظف الذي نظم أسرته بطفلين فقط . واستمع إلي نداء الواجب والعقل لحملات تنظيم الأسرة ومع ذلك فهو غير سعيد فى حياته بل يصل به الأمر إلي التعاسة مع زوجة " تجوع ثلاث جوعات فى اليوم " بدلاً من أن تأكل ثلاث وجبات فى اليوم ، ويصل به الأمر للإحباط وهو يتذكر والدته المريضة بالفشل الكلوي ، التى لا يستطيع علاجها أيضا كل ذلك لأن مرتبه الشهري خمسون جنيها ولا أنكر نجاح الكاتب هنا فى التركيز علي فكرته وتكثيف لغته والحوارالقصير المقتضب الذي يتوازي مع الحالة النفسية للبطل . أما آفة " الثأر " التى ارتبطت بجنوب مصر والتى رصدها فى قصة المدرس القاهري وزوجته الذي نقل لتوه فى جوف الصعيد والذي انتظر هو وزوجته طويلا حتي يصبح أبا وفي ليلة الولادة يحضر لها " داية " ويخرج لشراء حاجيات ويعود مصاباً برصاصة طائشة وما أن يري وجه طفله حتي يقول له " الثأر " ثم يموت ولا أدري هنا هل جاء هذا الطفل المنتظر ليموت غداً بثأر أبيه ! أم أن الكاتب أراد أن يقول شيئا آخر لم أتوصل إليه ؟
ثم يتجه بنا طارق العوضي إلي الحارة المصرية كبيئة ممثلة للمجتمع المصري بعاداته وتقاليده وملامحه النفسية التى تؤكد أننا لا نجتمع علي رأي واحد فى أي شئ ، حتي لو كان قصة حب عادية بطلاها حسن ونعيمة اللذان نجدهما فى كل شارع ونجد حولهما الهمس والشائعات . رغم حرص العشاق الدائم علي إخفاء مشاعرهما عن أسرتيهما حتي لو علم الآخرون . ولا أريد أن أركز علي ذلك بقدر ما أريد أن أركز علي الثلاث نهايات لنفس القصة والتى تختلف حسب قول كل جماعة ن من أهل الحي ، ليدلل علي أن الناس لا تتفق علي رأي واحد وأنهم يتحدثون فى كل الحالات حتي لو كان ما حدث صدقاً أو كذباً .
3- جدلية العلاقة بالمرأة :
عشرون نصا ترصد علاقة الراوي بالمرأة وغالباً – إن لم يكن دائما هو بطلها – الذي يحكي بضمير الأنا أو يدخل فى حوار مع " الهي " وجميعها تقع فى جو عاطفي رومانسي إما موقف معين أو ذكري أو شوق والآخرون دائما ظلال أو خلفيات باهتة خلف البطلين كرتوش تكمل اللوحة .
والنصوص تختلف فى مستواها لأن هناك نصوصاً ترجع إلي عام 1984 م . وهي تحمل سذاجة الطرح والإنفعال المبالغ فيه عاطفيا بشكل يشحن القارئ ضد العمل مثل ( أول حب ) التى تميزت بوجود خطابات عاطفية مكتملة يكتبها البطل لنفسه ولحبيبته التى لا يجرؤ علي مواجهتها عاطفيا وعندما تشجعه وتظهر له ذلك نجده يهرب ويغوص وسط جموع الطلبه .
وقصة " بعث " أيضا تدخل حيز البساطة والرومانسية التى تغلب عليها الصنعة أكثر من التلقائية التقنية التى تنساب مع الصدق فى الطرح . فهناك أحلام المريضة التى علي وشك الموت وهناك حبيبها الطبيب نبيل . الذي يصر علي الزواج منها علي سرير الموت وعندما يحضر المأذون تموت أحلام .
فيخطفها الطبيب الذي ينسي الطب والدين والناس التى تحاول تهدئته ويذهب بها إلي فتحة الهرم ليخلدها لكي تبعث مرة ثانية حسب الاعتقاد الفرعوني .
وأجدني هنا أتساءل عن كيفية الاستفادة من التراث فى العمل الأدبي ومدي عطائه للعمل وكيف يكون موقعه مؤثراً بشكل إيجابي يضيف ولا يقلل من القيمة الجمالية للعمل بسوء توظيفه. ولعلني ، أتذكر قصة " كفاك " حيث وظف الصور الفرعونية المرسومة علي مفرش منضدة الكازينو التى يجلس عليها العاشقان . بشكل فنتازي لم يتوافق مع ما يعطيه إحساس " كف فى كف " لعاشقين . " غادرت الصورة الفرعونية مفرش المنضدة لتستقر تحت الكفين وحولهما أصابعي تشق الجموع تنادي بوله : خمرية كفيك . أنا البدواوة والحضارة أنت " وهنا نري أن هذه الصورة لم تعط ما يبرر جو الفرح والزواج حتي يقول لها فى النهاية ليكن عمرو ..إن كان ولداً .
4- نصوص خارج الإطار :
بعض النصوص الجيدة خرجت عن نطاق الأنا – الهي ونجحت فى الوصول عبر التكثيف والمفارقة واللغة المناسبة لانفعال الحدث أو حياديته أو حتي برودته وهي النصوص التى جاءت تحت عنوان " لحم ودم " وحملت عناوين مختلفة منها " رجفة – هزيمة – أم أبوة – عشماوي – الفاعل " . اختار منهم نص " الفاعل " الذي اعتمد فيه علي عنصر المفارقة بين سلوك القاتل الذي يذهب بدافع الاحساس بالذنب إلي سرادق العزاء للتعزية فى القتيل – الذي قتلهُ بنفسه فيقابله أخو القتيل بالأحضان – والدموع تلسع هذه بلع ويبحث عن عذر . يبرر به ما حدث يقول بحزن : ( لو قبع فى مكان كالغير ) ليرد القاتل : ( ما طالته مطواتي !! ) ويترك القارئ هنا فى حالة التباس هل قال له ذلك صراحة أم فى نفسه ، وهو نوع من التشويق ارتفع بالغصة تقنيا .
وفي قصة " أم " يصور رد فعل الأم تجاه علاقة ابنتها بشاب وإثارة هذه العلاقة للأقاويل حول ابنتها مما يدفعها إلي تدبير كمين لهذا الشاب لتفاجئه هو ، لا ابنتها حسبما كان متوقعا فى مثل هذه الحالات . ومن هنا تعطي المفارقة مذاقا خاصاً لهذه اللقطة الحياتية المتكررة . أما قصة " هزيمة " فترصد حالة التنافس بين طفلين علي الجري بسرعة فوق قضبان القطار ، وكان الراوي دائما هو الفائز . ولم يهزن هذه المرة أنه هُزِمَ . الهزيمة هنا مختلفة عن كل مرة لأن القطار هو الذي هزمه باختطاف صديقه . فجأت الهزيمة علي المستويين النفسي والإنساني .
ثم يبدأ طارق بعد ذلك مرحلة نضج وتكثيف ووعي بآليات الكتابة بشكل يثير الاعجاب فى النصوص التى تقع فى القسم الثالث الذي يحمل عنوان ( تِ ) وهي إثني عشر نصا تحمل القصر والتكثيف والمفارقة والرمزية وترك فرصة للقارئ حتي فهم الرسالة ويتم دائرة " ياكبسون" التى تبدأ من المبدع وتختتم عند المتلقي وانقل الآن نصاً بأكمله يعتمد علي التكثيف الشديد جداً لدرجة أنه يكتمل فى تسع مفردات فقط . إلا أنها مفردات غنية موحية ترسل إلي المتلقي فيفهمها ويربطها بظروفها الاجتماعية يستثيرها نص مثل نص " صعوبة " فنقرأ " منقوش صليبها علي شريان معصمها ..ومعصمي من هلال . خلا " هكذا نجد النص بشاعريته وجماله يحمل أكثر بكثير من مجرد كونه لقطة تأخذ عين القارئ ليعمل عقله فيما بعد .
وفى قصة " مطر " يعتمد علي تكنيك المفارقة التى تظهر فى انتظار المحب لحبيبته التى لم تأتِ ، وقد بلل المطر جسده !! ظامئاً وهكذا يستمر طارق العوضي فى استخدام آليات التكثيف والمفارقة واللغة الشعرية فى نصوص " عتاب – بحر – قرط – شك " ويتفوق نص " قرار " عليهم باعتمادها أيضا علي النص الديني بنجاح رغم قصر النص وبساطته ولقطته المفاجئة فنقرأ " ما أن أحس بوهن رجولته ، علي التواصل بفوران إمرأته حتي عاركها علي التوافه واعتصم بـ " واهجروهن فى المضاجع " .
5- اللغة :
فى ثلاث مستويات جاءت لغة المجموعة لتتناسبت مع لغة الشخصيات. فكانت كل شخصية تتحدث بلغتها الخاصة وثقافتها وبيئتها. جاءت العامية فى قصص كثيرة متآزرة مع الفصحي – حسن – في ثلاث نهايات لقصة حب " هو أبوكي هو اللي هيتجوز " ، وفي قطار الثالثة يأتي صوت الشيخ " نشتكي لمين يا أستاذ ؟! اللي زينا مالهمش غير ربنا " صوت بائعي اللب " ضيع وقت يا لب " وصوت الأطفال فى أغنيتهم الراقصة " خُش عليّ خش .. خُش تحت الدش " أما شلبية فى " الكوز بصاغ " ( ربنا يخليكي لنا يا حاجة زينب يا رب ) ( اتخمد إنت واسكت ) ( أسكت إنت يا مشلول ) وهكذا .
وجاءت اللغة التراثية : فى قصة " وكلما اقترب نأي " بشكل استهلك مساحات كبيرة من النص دون أن يضيف إضافة تحسب له خاصة وأنه يتجاور مع لغة عصرية تصف مشاعر بطل معاصر شاب يسترجع معرفته بفتاة ويسترجع إحساسه بالذنب لأنه لم يزر دار بن لقمان ولا مرة واحدة .. وحتي نري أكثر نقرأ فى أكثر من موضع جملاً مثل ( والله يا أخي لا أبيحك سراً أنني أول ما أبصرتها وقعت فى نفسي موقعا من العسير أن يتكرر ، بكر الأيام وتعاقب الأحوال ) ، ( لا أبالغ إن أفضيت لك فأفضتُ ، وإن قصصتُ فأطلتُ ) إنه يريد أن يغني القصة مع عازف الناي ، ليتوازي معه فى مشاعره فهل توازت اللغة مع الأغنية ؟
أما اللغة الشعرية :
فجأءت لتوشي جميع قصص الجزء الثالث من المجموعة تقريباً وهي تضيف إلي التكثيف الذي تتمتع به القصص ما يجعلها شفافة تصل إلي مشاعر القارئ وعقله فتعطي إحساساً عاليا . يسهم فى تعميق صلة المتلقي بالقصة ذاتها مثلا فى " قرط " ( عذراوات إناث ينتظرن محب ) ( ثوان كسلي ) وفى " خبيئة " ( أركبت ضفيرتيها أرجوحتي صدرها ) . وفي " واقع " ( ارتفع المجدافان يلوحان ) .. إلخ من نصوص جعلت بجمالها من يقرأها يظلم تنويعات اللغة فى الأجزاء الأخري من العمل
6- الحوار :
يطغي " الديالوج " فى هذه المجموعة خاصة فى القصصة المتعلقة " بالأنا والهي " و غاب المنولوج كما أن اللقطات الحوارية السريعة جعلت القصص تفتقد إلي عمق التنقل بين ماض الشخصية أو خلفية الحدث الذي قد يظهر بجلاء إذا استخدم القاص منولوجا داخليا وهذا ما لم يفعله . فجاءت الحوارات لا تعطي أكثر من المستوي الأول فقط ولا تنتقل إلي المستوي الأعمق .
قائمة المراجع
1- د. عز الدين إسماعيل " مناهج النقد الأدبي بين المعيارية والوصفية " مجلة فصول ، هيئة الكتاب المصرية ، يناير 1981 ، ص 42 .
2- طارق العوضي . مجموعة " تِ " هيئة قصور الثقافة – ثقافة الدقهلية – ص 50 .
3- المرجع السابق ص 51 .
4- نفسه ص 39 .
5- نفسه ص 40 .
6- د. عز الدين إسماعيل " مناهج النقد الأدبي بين المعيارية والوصفية " مجلة فصول – هيئة الكتاب المصرية ، يناير 1981 ، ص 19 .
7- طارق العوضي – مجموعة تِ – هيئة قصور الثقافة – ثقافة الدقهلية ص 74 .
8- نفسه ص 22 .
9- نفسه ص 26 .
10- نفسه ص 13 .
11- نفسه ص 16 .